يُعد ملف حصر السلاح بيد الدولة من أكثر الملفات تعقيدًا في العراق؛ نظرًا لتداخله مع الأبعاد الأمنية والسياسية والإقليمية التي تشكل المشهد العراقي منذ عام 2003. واكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة بعد تأسيس هيئة الحشد الشعبي عام 2014 استجابةً لفتوى "الجهاد الكفائي"، التي أصدرها المرجع الديني علي السيستاني لمواجهة تنظيم داعش، إذ تشكلت عشرات الفصائل المسلحة التي لعبت دورًا بارزًا في استعادة المدن العراقية من سيطرة التنظيم. ومع إعلان الحكومة العراقية هزيمة داعش عسكريًا، أواخر عام 2017، بدأت مرحلة جديدة من النقاش بشأن مستقبل هذه الفصائل، وحدود دورها العسكري، وآليات دمجها داخل مؤسسات الدولة.
وازدادت أهمية هذا الملف مع تصاعد التوترات الإقليمية خلال العامين الأخيرين، خاصة في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وما تبعها من اتساع دائرة المواجهات بين إيران وإسرائيل، وتزايد الضربات الأمريكية والإسرائيلية، التي استهدفت مواقع مرتبطة بفصائل عراقية موالية لإيران. وأدى ذلك إلى تنامي المخاوف من تحول العراق مجددًا إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، ما دفع الحكومة العراقية إلى التأكيد أن استقرار البلاد يقتضي احتكار الدولة وحدها لقرار استخدام القوة والسلاح.
تأسيسًا على ما سبق، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: إلى أين وصلت مهمة حصر السلاح بيد الدولة في العراق؟
دوافع متعددة
تسعى الحكومة العراقية إلى تنفيذ رؤية تقوم على تعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة، مبدأ أساسي لبناء مؤسسات أمنية مستقرة. ويأتي ذلك استنادًا إلى الدستور العراقي الذي يمنع تشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات النظامية، ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها:
(*) تعزيز سيادة الدولة واحتكار استخدام القوة: ينطلق التوجه الحكومي من مبدأ دستوري يتمثل في أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح والدفاع عن البلاد، ما يجعل وجود تشكيلات مسلحة تعمل بقرارات مستقلة تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة. لذلك تؤكد الحكومة العراقية أن نجاح مشروع بناء الدولة لا يقتصر على الإصلاح الاقتصادي أو السياسي، بل يبدأ بترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، باعتباره أحد أهم أسس النظام السياسي الحديث. ومن هذا المنطلق، اعتمدت بغداد سياسة تقوم على الحوار مع مختلف القوى السياسية والفصائل، مع التأكيد أن الهدف ليس الدخول في مواجهة داخلية، وإنما الوصول إلى صيغة تضمن خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.
(*) تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية: يُعد تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية أحد أبرز الدوافع التي تقف وراء مساعي الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، فمنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، أكتوبر 2023، شهدت المنطقة تصعيدًا غير مسبوق امتد إلى لبنان وسوريا واليمن، ثم تطور لاحقًا إلى مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، الأمر الذي انعكس على الساحة العراقية. فقد تعرضت قواعد تستضيف قوات تابعة للتحالف الدولي لهجمات متكررة تبنتها فصائل عراقية، كما شهدت الأراضي العراقية ضربات استهدفت قيادات ومواقع مرتبطة بهذه الفصائل، ما وضع بغداد أمام تحدي منع استخدام أراضيها كساحة للصراعات الإقليمية. وفي هذا الإطار، تؤكد الحكومة العراقية أن وجود قرار عسكري موحد يخضع لمؤسسات الدولة يعد شرطًا أساسيًا للحفاظ على سياسة التوازن، التي تنتهجها بغداد في علاقاتها الخارجية، سواء مع الولايات المتحدة الأمريكية أو إيران أو دول الجوار العربي.
(*) تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي: يرتبط ملف حصر السلاح كذلك بالجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، فاستمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يثير مخاوف المستثمرين، ويؤثر في بيئة الأعمال، ويحد من قدرة الحكومة على تنفيذ برامج التنمية وإعادة الإعمار. لذلك ترى بغداد أن تحسين المناخ الاستثماري يتطلب وجود مؤسسات أمنية موحدة، وسيادة القانون على جميع أنحاء البلاد. كما يسهم حصر السلاح في دعم ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويعزز قدرة الحكومة على مكافحة الجريمة المنظمة، وضبط الحدود، والحد من عمليات تهريب الأسلحة.
(*) الاستجابة للضغوط الداخلية والخارجية: لا ينفصل هذا الملف عن الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها الحكومة العراقية. فعلى المستوى الداخلي، تطالب قوى سياسية وشرائح مجتمعية بضرورة إنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون على جميع الأطراف دون استثناء. كما أكدت المرجعية الدينية في النجف في أكثر من مناسبة أهمية قيام دولة قوية تحتكر السلاح وتفرض القانون على الجميع. أما على المستوى الخارجي، فتواصل الولايات المتحدة الأمريكية وشركاء العراق الدوليون تأكيد أهمية تعزيز سلطة المؤسسات الأمنية الرسمية، باعتبار ذلك عنصرًا رئيسيًا في استقرار العراق والمنطقة.
تحديات راهنة
رغم وجود توافق سياسي واسع على أهمية تعزيز سلطة الدولة، فإن تنفيذ هذا الهدف يواجه تحديات معقدة، وتتمثل تلك التحديات في:
(*) تباين مواقف الفصائل المسلحة: رغم وجود تأييد سياسي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، فإن مواقف الفصائل المسلحة لا تزال متباينة. فبعض الفصائل تؤكد دعمها للدولة واستعدادها لتنظيم أوضاعها القانونية والعمل تحت مظلة المؤسسات الرسمية، في حين ترى فصائل أخرى أن الظروف الأمنية والإقليمية الحالية لا تسمح بالتخلي عن السلاح، معتبرة أن استمرار التهديدات الخارجية، سواء المرتبطة بتنظيم داعش أو بالتطورات الإقليمية، يفرض الاحتفاظ بقدراتها العسكرية. ويجعل هذا التباين من الصعب الوصول إلى تسوية شاملة في وقت قصير، إذ إن الحكومة مطالبة بإيجاد صيغة تحقق التوازن بين فرض سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتجنب أي صدام قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني أو السياسي.
(*) تأثير الارتباطات الإقليمية: يمثل البعد الإقليمي أحد أبرز التحديات أمام الحكومة العراقية، إذ ترتبط بعض الفصائل المسلحة بعلاقات سياسية وعقائدية مع إيران، كما تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءًا من محور إقليمي يتجاوز الحدود العراقية. ومن ثم، فإن قرارات هذه الفصائل لا ترتبط بالاعتبارات الداخلية فقط، وإنما تتأثر أيضًا بمستوى التوتر أو التهدئة في المنطقة. فكلما تصاعدت المواجهات بين إيران وإسرائيل أو بين طهران والولايات المتحدة الأمريكية، تزداد صعوبة إحراز تقدم في ملف حصر السلاح، بينما تتيح فترات التهدئة فرصًا أكبر أمام الحكومة لاستكمال الحوار مع مختلف الأطراف.
(*) تحديات إعادة هيكلة المنظومة الأمنية: لا تقتصر التحديات على الجوانب السياسية، بل تمتد إلى الجوانب الإدارية والمالية والأمنية. فإعادة تنظيم أو دمج آلاف المقاتلين داخل المؤسسات الرسمية تحتاج إلى خطط طويلة الأجل، وتشريعات واضحة، وموارد مالية كافية، فضلًا عن برامج تدريب وتأهيل تضمن رفع كفاءة العناصر المنضمة إلى الأجهزة الأمنية. كما تواجه الحكومة تحديًا آخر يتمثل في منع انتشار السلاح خارج الأطر القانونية، وتشديد الرقابة على الحدود لمنع عمليات تهريب الأسلحة، بجانب تطوير المنظومة الاستخباراتية لمواجهة أي محاولات لإعادة تشكيل جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة.
سناريوهات محتملة
وفي المقابل، تظل هناك عدة سيناريوهات مطروحة خلال المرحلة المقبلة، فنجد:
(*) السيناريو الأول: نجاح الحكومة في التوصل إلى تفاهمات تدريجية مع مختلف الفصائل، بما يسمح بإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لقيادة الدولة، السيناريو الأكثر دعمًا للاستقرار.
(*) السيناريو الثاني: يقوم على استمرار الوضع الحالي، بحيث تبقى بعض الفصائل ملتزمة بقرارات الحكومة، بينما تحتفظ أخرى بهوامش من الاستقلال العسكري، ما يعني استمرار الملف دون حسم نهائي.
(*) السيناريو الثالث: الأقل ترجيحًا، ويتمثل في تصاعد الخلافات نتيجة أي توتر إقليمي جديد، بما قد يؤدي إلى تجميد جهود الحكومة في هذا الملف وإعادة تصدر الاعتبارات الأمنية على حساب الإصلاحات المؤسسية.
ختامًا، يبقى ملف حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز اختبارات الدولة العراقية، خلال المرحلة الحالية، ليس فقط لارتباطه بالأمن الداخلي، وإنما أيضًا بتأثيره المباشر في علاقات العراق الإقليمية ومستقبل استقراره السياسي والاقتصادي. ورغم أن الحكومة حققت تقدمًا في فتح قنوات الحوار مع مختلف القوى السياسية والفصائل، فإن الوصول إلى حل نهائي يتطلب توافقًا وطنيًا شاملًا، إلى جانب استمرار سياسة التهدئة الإقليمية، بما يسمح بترسيخ مبدأ احتكار الدولة للسلاح وتعزيز سيادتها على كامل أراضيها.