يمضي العراق في استحقاق انتخابي حاسم في 11 نوفمبر 2025 وسط أجواء داخلية وإقليمية تتسم بتحولات جذرية تعصف بمنطقة المشرق العربي من جهة وإيران من جهة أخرى. ومع بدأ موسم الحملات الانتخابية ارتفع منسوب التوتر في الشارع العراقي يطال وسائط الدعاية الانتخابية وسط ترقب لمواقف تيارات سياسية رئيسية تتأرجح بين المشاركة والمقاطعة وأخرى تعتبرها "معركة وجود".
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي أهمية الانتخابات العراقية المقبلة والعوامل المؤثرة في تشكيل البرلمان وتحديد أجندة أعماله للسنوات الأربع المقبلة.
ركائز مؤثرة
تجرى الدورة السادسة للانتخابات البرلمانية عقب الإطاحة بنظام صدام حسين، والثانية بعد حراك تشرين 2019 في 11 نوفمبر المقبل، حيث يتنافس 7768 مرشحًا على 329 مقعدًا، من بينهم 2248 سيدة يتنافسن على ربع تشكيل المجلس المقبل كحد دستوري أدنى.
(*) البحث عن الشرعية: يرتبط سياق الانتخابات البرلمانية المقبلة بسباق محموم على اكتساب الشرعية بين مختلف الفرقاء السياسيين، فمن جهة دخلت القوى التي تمتلك ظهيرًا مسلحًا أجواء الانتخابات بمساعي تمرير مشروع قانون إعادة تنظيم هيئة الحشد الشعبي وآخر للخدمة والتقاعد مثّل تهديدًا لوحدة صف الإطار التنسيقي الشيعي الذي لا يزال القوة الرئيسية بالمشهد السياسي ويقود "ائتلاف إدارة الدولة" الحاكم في العراق.
ومع سحب مشروع قانون الحشد برز خطاب سياسي في الإطار "الوطني" يتجاوز قدرة أي من الأطراف إلى جانب التزام الممارسة السياسية بالأبعاد الخدمية والولاءات العشائرية والطائفية. فمن جهة صعّدت قوى الإطار التنسيقي من خطابها الملتزم بدولة المؤسسات وانحسرت شعاراتها في "عراق مقتدر".
على الجانب الآخر اعتمد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على "شرعية الإنجاز" وجهود حكومته التنموية في مساعي كسب ثقة المواطنين وفرض وجوده كطرف رئيسي فاعل خارج ساحة الإطار التنسيقي من خلال تشكيل تحالفه الانتخابي "الإعمار والتنمية" الذي يضم إلى جانب تياره (تيار الفرات) كل من "تجمع أجيال" و"تحالف العقد الوطني" و"تحالف حلول الوطني" و"تجمع بلاد سومر" و"ائتلاف الوطنية" و"تحالف إبداع كربلاء".
(*) معادلة أمنية معقدة: ظلت المخاوف مرتفعة من تحول دفة التصعيد الإقليمي نحو العراق مع انخراط العديد من الفصائل في عملية "طوفان الأقصى" دعمًا للفصائل الفلسطينية من جهة و"حزب الله" اللبناني من جهة أخرى، قبل أن تؤدي ضغوط حكومية وسياسية تحذر من عمليات قصف واستهداف للداخل العراقي إلى وقف عمليات ما سُمي بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" التي شكّلت تجمعًا من الفصائل الراغبة في الاختباء من مساعي الاستهداف الأمريكي.
ومع إعلان تسريع الولايات المتحدة خطط إعادة انتشار قواتها داخل العراق باتجاه إقليم كردستان، شهدت المنطقة تحركات مكثفة للمقاتلات الأمريكية من قاعدة العديد الجوية في قطر باتجاه تركيا وإقليم كردستان العراق. كما اتخذت الولايات المتحدة خطوات ضد الفصائل المسلحة الموالية لإيران بإدراج 4 مجموعات على قوائم الكيانات الإرهابية الأجنبية وهي "كتائب سيد الشهداء" و"حزب الله النجباء" و"أنصاء الله الأوفياء" و"كتائب الإمام علي" إلى جانب كيانين أُدرجا سابقًا في قائمة الكيانات الإرهابية وهما "كتائب حزب الله" وحركة "عصائب أهل الحق".
(*) القضايا الطائفية والعشائرية: تفرض التوازنات الطائفية في السياسة العراقية اصطفافات متعارضة وحراكًا سياسيًا داخل تلك الطوائف حول تمثيل الطائفة وتحقيق متطلباتها السياسية والمدنية. ففي إقليم كردستان سادت توترات وعمليات ملاحقة لقادة أحزاب صغيرة في السليمانية ففي أغسطس الماضي اعتُقل رئيس حزب الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد قبيل أيام من اعتقال رئيس جبهة الشعب والرئيس المشاركة سابقًا لحزب الاتحاد الوطني لاهور شيخ جنكي بعد ساعات من الاشتباكات بين عناصر تابعة له والقوات الأمنية التابعة للاتحاد.
ويلقي مشهد انقسام السلطة والموارد في إقليم كردستان بين مركزي قوة في السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني وفي أربيل بزعامة الحزب الديمقراطي الكردستاني بظلاله على المشهد السياسي العراقي العام في ضوء تأخر تشكيل حكومة الإقليم لخلافات حول حصص كلا الطرفين من عملية تقاسم السلطة ومستقبل توحيد الأجهزة الأمنية الكردية، إلى جانب توحيد صف الجانبين في مفاوضاتهم مع بغداد والقوى السياسية العراقية.
ملامح العملية الانتخابية
فيما يغيب عن مشهد الانتخابات التيار الصدري مقاطعًا العملية السياسية الحالية، تبرز في معادلة الانتخابات الملامح التالية:
(&) مشهد التحالفات: يسود مشهد التحالفات حالة من الالتباس تعتمد على المصالح الانتخابية للرموز الانتخابية وتقاسم المناصب من جهة، وموقع تلك الأحزاب من معادلة النفوذين الأمريكي والإيراني، حيث أعلنت قوى الإطار التنسيقي خوض الانتخابات في قوائم مختلفة، وهو ما يعكس تباينات سياسية رغم التوافق على حفظ بقاء المشهد السياسي القائم.
ويشكل اختيار رئيس الوزراء المقبل التحدي الرئيسي أمام الإطار التنسيقي في ظل عدم قبول بعض القوى بإعطاء السوداني ولاية ثانية أو انخراطه كطرف في العملية الانتخابية المقبلة. ودفعت تلك التباينات لخوضه الانتخابات المقبلة بتحالف انتخابي يجمع بين قوى شيعية متباينة الولاءات والأيديولوجيا تجمع بين قوى بالإطار التنسيقي والمجموعات الموالية لإيران وتهدف تحالفات السوداني لكسر شوكة منافسه الرئيسي ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
ويشمل تحالف "السوداني" من قوى الإطار التنسيقي "تحالف العقد الوطني" بزعامة فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي من جهة، ومنتسبين سابقين للتيار الصدري مثل "تحالف حلول الوطني" بزعامة محمد الدراجي مستشار رئيس الوزراء من جهة ثانية، وتحالفات واصطفافات عشائرية تمتلك وزنًا في المعادلة السياسية على غرار تجمع أجيال بزعامة محمد الصهيود زعيم قبيلة السودان التي ينتمي إليها رئيس الوزراء من جهة ثالثة، فضلًا عن "ائتلاف الوطنية" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.
(&) شوائب النزاهة والشفافية: رغم ضوابط الإنفاق على الدعاية الانتخابية والحرص على نزاهة العملية الانتخابية، يبرز في المشهد العراقي ظواهر المال السياسي في استغلال السلطة وشراء البطاقات الانتخابية وحجم الإنفاق على الدعاية الانتخابية حتى قبل إعلان المفوضية العليا للانتخابات انطلاقها؛ حيث رصدت وسائل إعلام محلية في 4 أكتوبر 2025 وجود أكثر من مليون صورة لمرشحي الانتخابات البرلمانية في عموم محافظات العراق. كما رصدت اعتداءات وتخريب للوحات دعائية لبعض المرشحين في محافظة ذي قار. وعلى صعيد المخاوف من تلاعب بعض المرشحين بعملية التصويت، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 5 أكتوبر 2025 نجاح الأجهزة الأمنية في القبض على متورطين في شراء البطاقات الانتخابية واستثمارها بطريقة مخالفة للقانون.
(&) حملات مضادة: تتعرض العديد من الشخصيات لحملات مضادة تستهدف النيل من كبار المرشحين في المشهد الانتخابي المقبل خاصة بين المتنافسين على موقعي رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب، وهو ما يأتي امتدادًا لصراعات النفوذ داخل قوى الإطار التنسيقي على اختيار رئيس الوزراء والرغبة في عدم انفراد أي من الفرقاء برئاسة الحكومة، إلى جانب الرغبة في السيطرة على قيادة الحشد الشعبي وإعادة توزيع الأوزان النسبية داخل التحالف الشيعي الأقوى في البلاد الذي قد يتعرض لانقسامات كبرى عقب الانتخابات في حال تراجع النفوذ والتدخل الإيراني في ضبط إيقاع الخلافات بين مكوناته.
وعلى الجانب الآخر يأتي رئيس مجلس النواب المقال وزعيم تحالف تقدم محمد الحلبوسي على رأس الشخصيات التي تتعرض لانتقادات سياسية وإعلامية واسعة إلى جانب الصراعات بين القوى السياسية الرئيسية الممثلة للمكون السني التي يتقدمها إلى جانب تحالف تقدم، تحالف السيادة بقيادة خميس الخنجر، إلى جانب بروز تحالف العزم بقيادة مثنى السامرائي الذي يستهدف بالأساس النيل من قيادة الحلبوسي؛ حيث رفع السامرائي دعوى قضائية لمنع رئيس البرلمان السابق من الترشح للانتخابات المقبلة بعد إسقاط عضويته في البرلمان المنتهية ولايته.
وإجمالًا؛ يغيب عن مشهد الانتخابات البرلمانية العراقية وجود تحالفات انتخابية أو سياسية متماسكة ذات أفق وطني يتجاوز السياسة الطائفية، إذ تترقب مختلف الأطراف ما سيسفر عنه المشهد الانتخابي من توازنات داخل البرلمان الجديد وسط صراعات محتدمة بين النخب السياسية في كل طائفة بوجه خاص، بجانب ثبات معادلة التوازن بين الولايات المتحدة وإيران في المشهد السياسي العراقي.