يُعاني الاقتصاد اللبناني من أزمات هيكلية متعددة في قطاعاته المختلفة، إذ أثرت الحروب والأزمات المالية التي يشهدها على مسار نموه بصورة كبيرة. ويواجه لبنان حربًا بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي على أراضيه، فيما لا تزال تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العميقة التي اندلعت عام 2019 مستمرة، إلى جانب الأزمات السياسية التي فاقمت من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وهو ما يتطلب استراتيجية شاملة للنهوض بالدولة اللبنانية.
وتأسيسًا على ما سبق، يتناول هذا التحليل مؤشرات الاقتصاد اللبناني خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب استعراض مسارات الخروج من الحالة الاقتصادية الهشة التي تواجهها الدولة اللبنانية.
مؤشرات قياسية
يمكن التعرف على الوضع الحالي للاقتصاد اللبناني من خلال مجموعة من المؤشرات الرئيسية:
(-) معدل النمو الاقتصادي: يتضح من الشكل (1) أن معدل النمو الاقتصادي في لبنان يُعاني من قيم سالبة خلال الفترة محل الدراسة من عام 2019 إلى توقعات عام 2026، باستثناء النمو الإيجابي في عام 2025، الذي بلغ نحو 3.5% بعد سنوات عديدة من الانكماش، وكان مدفوعًا بزيادة الاستهلاك الخاص وانتعاش قطاعات السياحة والعقارات والبناء. إلا أن البنك الدولي أوضح أن هذا التعافي هش، وهو ما تؤكده التوقعات التي تشير، مع احتدام الأوضاع في لبنان، إلى انكماش اقتصادي يتراوح بين 7% و10% في عام 2026، بما يتسبب في أضرار اقتصادية مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار، وفقًا لوزير المالية اللبناني. كما توقع صندوق النقد الدولي، في الثامن من يونيو، أن يكون الوضع الاقتصادي والإنساني "صعبًا للغاية" مع استئناف الحرب.
(-) معدل التضخم: يرتفع معدل التضخم في لبنان كنتيجة منطقية للأزمات التي تعاني منها الدولة، إذ لم تشهد الحركة الاقتصادية المستوى المطلوب الذي ينعش أسواق السلع والخدمات. ويوضح الشكل (2) أن معدل التضخم الشهري ارتفع من 14.4% في مايو 2025 إلى 19% في مايو 2026، كما سجل المعدل السنوي ارتفاعًا ملحوظًا، إذ بلغ 17.26% على أساس سنوي في مارس 2026، مقارنة بـ12.7% في فبراير 2026.
ويمكن تفسير ذلك بأن الأزمة في لبنان تتخذ طابعًا مزدوجًا؛ فعلى المستوى الخارجي، أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية وإغلاق مضيق هرمز، ما دفع المستوردين إلى الاعتماد على طرق شحن أطول وأكثر تكلفة.
أما على المستوى المحلي، فقد أدى تصاعد الحرب بين حزب الله وإسرائيل إلى تعطيل الإنتاج نتيجة الأضرار التي لحقت بالمصانع والأراضي الزراعية، كما تسببت الغارات الإسرائيلية على الجسور والطرق في تعطيل خطوط النقل، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار. وإضافة إلى ذلك، فرضت الحكومة اللبنانية في فبراير 2026 زيادة قدرها 300 ألف ليرة لبنانية على أسعار البنزين، ما فاقم أزمة الطاقة، كما فرضت رسومًا جديدة على الحاويات، الأمر الذي زاد من تضخم تكلفة السلع المستوردة.
(-) سعر الصرف: انتقل لبنان من نظام تحرير سعر الصرف إلى نظام التثبيت اعتبارًا من عام 2023، إذ حافظت الليرة اللبنانية على استقرارها قرب مستوى 89500 ليرة مقابل الدولار، رغم استنزاف الحرب لاحتياطيات البلاد وتدميرها للبنية التحتية.
ويمكن القول إن هذا الاستقرار في سعر الصرف يُعد استقرارًا مصطنعًا، وليس ناتجًا عن نمو اقتصادي حقيقي، وإنما جاء نتيجة إحكام مصرف لبنان المركزي قبضته على السيولة بالليرة اللبنانية، واعتماد الحكومة على إجراءات الانضباط المالي الطارئة. وبالتالي، فإن هذا الاستقرار لا يعكس تعافيًا هيكليًا للاقتصاد، إذ لا تزال الأزمة الأعمق قائمة دون حل.
(-) ميزان المدفوعات: تعاني الدولة اللبنانية من عجز مزمن في ميزان المدفوعات بسبب العجز التجاري الضخم، الذي ارتفع، بحسب إدارة الجمارك اللبنانية، بنسبة 19.03% على أساس سنوي، ليصل إلى 6.1 مليار دولار في أبريل 2026. ويعود ذلك إلى ارتفاع تراكمي في الواردات بنسبة 11.33% على أساس سنوي في أبريل 2026، مقابل انخفاض الصادرات بنسبة 21.64%، نتيجة عدم الاستقرار الأمني والانتهاكات المتكررة في جنوب لبنان، التي تسببت في إعاقة الإنتاج والتأثير سلبًا على أداء الصادرات، في حين ارتفعت الواردات بشكل كبير لتلبية الطلب المحلي واحتياجات إعادة الإعمار.
مسارات الخروج
إن الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى استراتيجية شاملة تعمل على تحقيق تعافٍ حقيقي، ويمكن توضيح ذلك من خلال المسارات التالية:
(-) تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي: إن بداية الحديث عن التعافي الاقتصادي الشامل والحقيقي في أي دولة تتطلب تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، إذ لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية فعلية في ظل احتدام التوترات السياسية والأمنية. وبالتالي، لا بد أن يبدأ لبنان في تحقيق وفاق سياسي، لأن استمرار ممارسة السلطة من خلال مفاوضات النخب يحد من قدرة المؤسسات على العمل باستقلالية واتساق، ويؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات، فضلًا عن صعوبة تطبيق إصلاحات مستدامة، خاصة في مجالات المالية العامة والبنية التحتية.
(-) إعادة هيكلة القطاع المصرفي: لا تزال آثار الأزمة المصرفية التي وقعت عام 2019 قائمة في مختلف جوانب الاقتصاد اللبناني، إذ توقف خلق الائتمان، الذي يُعد الآلية الأساسية لدعم النشاط الاقتصادي، ما ترك الاقتصاد دون إمكانية الوصول إلى التمويل، في وقت يكاد ينعدم فيه دور القنوات البديلة، مثل سوق الأسهم ومنصات التمويل الخاصة.
وبالتالي، يحتاج لبنان إلى إعادة هيكلة ناجحة تقوم على الموازنة بين الأولويات المتنافسة، والمتمثلة في حماية صغار المودعين مع إدراك حدود القدرة المالية للدولة، وإنفاذ التسلسل الهرمي للدائنين مع ضمان العدالة الاجتماعية، وإعادة رسملة البنوك القادرة على الاستمرار مع قبول حتمية الدمج، واستعادة سيادة القانون مع إعادة بناء ثقة الجمهور في المؤسسات المالية.
(-) تنويع مصادر النمو: إن تحقيق انتعاش اقتصادي سريع وتضييق الفجوة مع الإمكانات الاقتصادية للبنان يستلزم إيجاد مصادر نمو جديدة موجهة نحو التصدير، تستند إلى الميزة النسبية الحالية للبلاد. ويمتلك لبنان هذه الميزة في الصناعات الغذائية والأدوية والكيماويات الفاخرة، ومن ثم يمكن تعميق التصنيع في هذه القطاعات بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد اللبناني.
(-) إعادة بناء الثقة: يتعين على الدولة اللبنانية العمل على إعادة بناء الثقة من خلال وضوح الأنظمة وتحسين الحوكمة، إذ ينبغي أن تتضمن الإصلاحات المستقبلية آليات قوية لإنفاذ التشريعات. كما تُعد استعادة مصداقية مصرف لبنان أمرًا بالغ الأهمية لاستعادة الثقة المحلية والدولية، في حين سيسهم تبني سياسات نقدية شفافة، مثل الإعلان المنتظم عن توجهات السياسة النقدية المستقبلية، وإجراء مراجعات للحسابات المالية، في تحسين سمعة مصرف لبنان تدريجيًا.
هذا فضلًا عن ضرورة تحقيق التوازن بين الانضباط المالي وإدارة العجز، مع توفير إنفاق اجتماعي كافٍ يستند إلى بيانات موثوقة، بما يمنع تفاقم حالة عدم الاستقرار الاجتماعي خلال عملية الإصلاح.
وفي النهاية، يمكن القول إن الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى تكاتف جميع أطيافه نحو هدف بناء دولة وطنية ذات اقتصاد تنموي، إذ لم يعد لبنان قادرًا على تحمل استمرار الأزمات العميقة التي يعانيها. فقد أصبحت حياة اللبنانيين أكثر صعوبة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات، وتراجع جودة الخدمات المقدمة لهم، فضلًا عن المعاناة التي تواجهها المؤسسات نتيجة ضعفها الهيكلي، وهو ما يستدعي تطبيق خطة شاملة تتناول جميع المحاور، وتسهم في تعزيز النمو والتنمية داخل لبنان.