تتصاعد حدة التباين في الخطاب السياسي المحيط بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اختلاف التقديرات داخل دوائر صنع القرار في واشنطن بشأن إدارة هذا الملف، وتبرز في المقابل تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشير إلى أن تعثر المسار التفاوضي يعود إلى انقسامات داخل القيادة الإيرانية، وهو ما تنفيه طهران بالتأكيد على وحدة موقفها السياسي والعسكري تحت إدارة المرشد الجديد.
تصريحات ترامب
زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران تواجه صعوبة في تحديد قائدها، مشيرًا إلى وجود صراع داخلي بين المتشددين والمعتدلين، وكرّر خلال الأسبوع الماضي ادعاءه بوجود تصدعات داخل القيادة لتفسير عدم إحراز تقدم في المفاوضات.
في المقابل، نقلت شبكة "إيه بي سي نيوز"، عن مصادر متعددة معنية بالأمن والسياسة، إضافة إلى رئيس سابق لفرع إيران في قسم البحث والتحليل في الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية، صورة مختلفة بشأن الوضع الداخلي الإيراني، مشيرة إلى عدم وجود دليل واضح على انقسامات على مستوى صنع القرار الأساسي.
وردّت طهران أمس الجمعة بمنشورات لمسؤولين كبار على موقع "إكس"، في بيان قالوا فيه: "في إيران، لا يوجد متطرفون أو معتدلون؛ كلنا إيرانيون وثوريون، وبوحدة الأمة والحكومة الحديدية، وبطاعة كاملة للمرشد سنجعل المعتدي يندم على أفعاله الإجرامية".
انقسام الموقف الأمريكي
وعلى عكس تصريحات ترامب فإن التغطيات في الصحافة العالمية، بما فيها "نيويورك تايمز"، تعكس تباينات في تقييم السلوك الأمريكي خلال الحرب مع إيران، مع الإشارة إلى وجود خلل أو نقص في التقدير، وتطرح هذه التغطيات تساؤلات حول احتمال وجود انقسام في الموقف الأمريكي، وتأثير ذلك على القرارات المستقبلية في حال انهيار الهدنة، ما يشير إلى حالة من الغموض حول التحركات الأمريكية كما تظهر في التغطيات الإعلامية.
وقال الكاتب الصحفي المصري جمال رائف لقناة "القاهرة الإخبارية" إن التباينات في الصحافة العالمية تعكس غياب استراتيجية أمريكية واضحة بشأن إدارة الحرب، رغم تحديد أهداف من قِبل الرئيس دونالد ترامب.
أوضح "رائف" أن الإدارة لم تحدد مسارات واضحة لتحقيق هذه الأهداف، سواء عبر الضربات العسكرية أو المسار التفاوضي الذي جاء لاحقًا دون تخطيط مسبق، مشيرًا إلى أن غياب الرؤية أدى إلى حالة من الغموض والضبابية، وخلق تباينات حتى بين الحلفاء الغربيين نتيجة ضعف التنسيق وعدم وضوح المواقف.
وفي مارس الماضي، أعلن رئيس المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جوزيف كينت، استقالته من منصبه على خلفية الضربات الأمريكية على طهران، وسط اتهامات مباشرة لإسرائيل بالتأثير على قرار الحرب، وفي مطلع أبريل الجاري، أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث إقالة رئيس أركان القوات البرية الجنرال راندي جورج، إضافة إلى فصل أو تهميش أكثر من 20 جنرالًا وأدميرالًا خلال العام الماضي، ليكون الأخير وزير البحرية جون فيلان الذي أعلن إقالته ترامب نفسه.
البحث عن حل سريع
قال داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في قسم البحث والتحليل في الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية، إن تكتيكات ترامب ونتنياهو تبحث عن حل سريع يغيّر الوضع، لكنه أكد أن ذلك لن يحدث.
حذّر "سيترينوفيتش" من أن هذا النظام لا يمكن التوصل إلى حل وسط معه، منتقدًا منشورات ترامب على الإنترنت، معتبرًا أنها تعزز تصور الإيرانيين بأنه في حالة يأس، مضيفًا أن الحرب، رغم إضعاف القدرة الهجومية لإيران، لم تحقق أهدافها الرئيسية، وفقًا لتقديره.
وأفادت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية بأن إيران لا تزال تمتلك قدرات كبيرة تشمل آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية، وهو ما أكده مسؤولون إسرائيليون، وفق "إيه بي سي نيوز"، وفيما يتعلق بالقدرات النووية، أشار سيترينوفيتش إلى أن إيران تمتلك نحو طن من المواد المخصبة بنسبة بين عشرين وستين في المئة، ويمكن رفعها إلى تسعين في المئة خلال أسابيع.
احتمالات صدام بحري
أشار مسؤول أمريكي، وفق "إيه بي سي نيوز"، إلى أن ترامب يرى في الحصار المفروض على مضيق هرمز وسيلة ناجحة للضغط الاقتصادي، مؤكدًا اعتقاده بعدم وجود مبرر لتقديم تنازلات لإيران.
وقال العميد إلياس فرحات، الخبير العسكري اللبناني، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، إن البحرية الإيرانية تعتمد على وسائل غير تقليدية مثل الزوارق الصغيرة والطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام لفرض قيود على حركة العبور.
أوضح أن الولايات المتحدة تفرض حصارًا على الموانئ الإيرانية، ما أدى إلى وضع وصفه بأنه حصار فوق الحصار، مشيرًا إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر دون صدامات، موضحًا أن القوات الأمريكية استولت على سفينة حاويات إيرانية فيما نفّذت قوات الحرس الثوري عمليات مماثلة ضد سفن أخرى.
وأوضح أن هناك نحو 15 سفينة حربية أمريكية لدعم الحصار، مشيرًا إلى أن المشهد قد ينتهي بتسوية أو يتجه إلى صدام بحري، مع احتمالات تصعيد إذا اقتربت القطع البحرية من السواحل الإيرانية.
ولفت "فرحات" إلى أن المهلة الدستورية للرئيس ترامب تنتهي في السابع والعشرين من أبريل الجاري، مع إمكانية تمديدها لمدة شهر في حال الانسحاب، وأن استمرار العمليات قد يتطلب موافقة الكونجرس في حال التوجه إلى حرب مفتوحة، ما يمنح الإدارة مهلة زمنية مختلفة.
إسرائيل في دائرة الاتهام
واتهمت نائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس، في خطاب ألقته بمؤتمر الحزب الديمقراطي في ديترويت بولاية ميتشيجان، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى عمل عسكري في إيران.
وقالت هاريس، المرشحة الرئاسية السابقة إن "الرئيس دخل حربًا لم يرغب بها الشعب الأمريكي"، مضيفة "لقد جرّه نتنياهو إلى هذه الحرب، فلنكن واضحين في هذا الشأن".
ولفتت "إيه بي سي نيوز" إلى أن هناك تقارير حول ضغط بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي على ترامب لدعم تغيير النظام في إيران، غير أن مسؤولًا إسرائيليًا نفى ذلك بشكل قاطع، ومؤكدًا أن نتنياهو لم يحدد هدف تغيير النظام، ولم يحاول إقناع ترامب أو الولايات المتحدة أو أي جهة أخرى بأن هذا هو الهدف من التحركات الجارية.
إخفاقات محرجة
وقال مسؤولان أمريكيان، وفق "واشنطن بوست" إن غياب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في إسلام آباد قد يسهّل على الإدارة الأمريكية إدارة التداعيات المتعلقة بالعلاقات العامة إذا انسحبت إيران من المحادثات، أو قدمت مطالب يشعر البيت الأبيض أنه لا يستطيع قبولها.
وقال المسؤولون إن وجود القوات الجوية الثانية، بما تتطلبه من متطلبات أمنية وموارد ضرورية، يُزيد من التوقعات بشأن المفاوضات، ويجعل من الصعب تبرير الإهانة المحرجة من جانب الإيرانيين.
في المقابل، أوضح مسؤول أمريكي، وفق "واشنطن بوست" أن كوشنر وويتكوف كانا أكثر ميلًا لإدراج أهداف إسرائيل ضمن الموقف التفاوضي، مثل مطالبة إيران بإنهاء دعمها لحلفائها في المنطقة.
يشمل هذا المطلب وقف دعم إيران لحلفاء مثل حزب الله وحماس والحوثيين في اليمن، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع، وقد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات.
من المتوقع أن يلتقي ويتكوف وكوشنر بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد سفره إلى باكستان دون تأكيد عقد لقاء مع الوفد الأمريكي.