في خضم الحروب الحديثة، حيث يمكن أن يتحول التفوق الجوي إلى لحظة سقوط مفاجئة خلف خطوط العدو، يبرز برنامج "SERE" كأحد أهم أعمدة العقيدة العسكرية الأمريكية.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فإن هذا البرنامج، الذي يختصر اسمه في أربع كلمات (البقاء، التملص، المقاومة، والهروب)، لا يمثل مجرد تدريب تقني، بل فلسفة متكاملة تهدف إلى إعداد الطيار لمواجهة أسوأ السيناريوهات - العزلة في بيئة معادية دون دعم مباشر.
وتنبع أهمية هذا البرنامج بحسب الصحيفة الأمريكية، من طبيعة مهام الطيارين العسكريين، الذين قد يجدون أنفسهم خلال ثوانٍ في وضع بالغ الخطورة بعد إسقاط طائراتهم.
وأوضح الجنرال المتقاعد ديفيد ديبتولا أن "SERE" صُمّم تحديدًا لمثل هذه اللحظات، حيث يتحول الطيار من عنصر في منظومة قتالية متطورة إلى فرد معزول يعتمد على مهاراته وغريزته للبقاء، مؤكدًا أن الهدف الأساسي ليس فقط النجاة، بل العودة "بشرف"، وهي عبارة تحمل في طياتها بُعدًا معنويًا واستراتيجيًا في آن واحد.
القفز
وتبدأ رحلة النجاة منذ لحظة القفز من الطائرة، وهي لحظة شديدة التعقيد والخطورة، حيث يتعرض الطيار لضغط جسدي ونفسي هائل. وفي هذه المرحلة، يدرب الطيار على تقييم وضعه بسرعة، ومعالجة إصاباته، والبحث عن مأوى آمن، مع تقليل استهلاك الطاقة والموارد إلى الحد الأدنى.
ولا يقتصر التدريب على بيئة واحدة، بل يشمل ظروفًا متنوعة تمتد من الصحارى القاحلة إلى المناطق الجليدية، حيث يتعلم الطيار كيفية تأمين المياه والغذاء وبناء ملاجئ بدائية باستخدام الموارد المتاحة، مهما كانت محدودة.
التملص
غير أن البقاء وحده لا يكفي؛ إذ يتعين على الطيار في الوقت نفسه تجنب الوقوع في الأسر. وهنا يأتي دور التملص، الذي يصفه الخبير العسكري جيسون سميث بأنه "جوهر المهمة".
يعتمد التملص على التحرك بسرية تامة، غالبًا تحت غطاء الليل، واستخدام التضاريس الطبيعية كوسيلة للتمويه، بالتوازي مع تنفيذ خطة هروب تم الاتفاق عليها مسبقًا مع القاعدة.
ويعد مثال الطيار سكوت أوجرادي خلال حرب البوسنة تجسيدًا حيًا لهذه العقيدة، إذ تمكن من البقاء ستة أيام في أراضٍ معادية، متنقلًا ليلًا ومتغذيًا على الحشرات، قبل أن ينجح في إرسال إشارة إنقاذ أدت إلى انتشاله.
المقاومة
وفي حال اكتشاف الطيار، يدخل في مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية وهي "المقاومة". ورغم أن تفاصيل هذا الجانب من التدريب تبقى سرية، إلا أن جذوره تعود إلى دروس قاسية استخلصتها الولايات المتحدة من الحرب الكورية، حين تعرض أسرى أمريكيون لضغوط شديدة.
لذلك وضع الرئيس دوايت أيزنهاور مدونة سلوك تلزم الجنود بمقاومة الاستغلال وعدم تقديم معلومات سوى الأساسية. واليوم، يدرب الطيارون على الصمود النفسي والجسدي، واستخدام وسائل دفاعية ضمن قواعد اتفاقيات جنيف، بما يضمن الحفاظ على حياتهم وتقليل الفائدة التي قد يجنيها العدو من أسرهم.
الهروب
أما المرحلة الأخيرة، فهي الهروب، التي تمثل الهدف النهائي لكامل البرنامج. وهنا، يتحول الطيار من عنصر متخفٍ إلى هدف يسعى إلى استعادة الاتصال بقواته، مستخدمًا أدوات مثل أجهزة الاتصال اللاسلكي، أو الشعلات الضوئية، أو إشارات الدخان لتحديد موقعه بدقة.
وغالبًا ما تتطلب عمليات الإنقاذ تنسيقًا عالي المستوى، حيث تنفذ فرق متخصصة عمليات معقدة خلف خطوط العدو، في سباق مع الزمن لتفادي اكتشاف الطيار أو تصفيته.
وكشف الحوادث الأخيرة أن هذه العقيدة ليست مجرد إطار نظري، بل تطبق في ميدان القتال بشكل مباشر، حيث يمكن لنجاح الطيار في الالتزام بهذه المبادئ أن يصنع الفارق بين النجاة والأسر. وفي السياق، لا ينظر إلى إنقاذ الطيارين فقط كإنجاز إنساني، بل كنجاح استراتيجي يحرم الخصم من ورقة ضغط سياسية ودعائية قد تكون ذات تأثير واسع.