الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

دوافع الهجوم الأمريكي على فنزويلا

  • مشاركة :
post-title
الهجوم الأمريكي على فنزويلا

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

جاء الهجوم الأمريكي على فنزويلا في الثالث من يناير 2026، من خلال تنفيذ عملية عسكرية نوعية مدعومة برًا وجوًا وبحرًا في عمق الأراضي الفنزويلية، وفي العاصمة كاراكاس، للقبض على الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يحكم منذ أبريل 2013، وزوجته؛ بهدف إخراجه من المشهد السياسي تمهيدًا لمحاكمته أمام القضاء الأمريكي، ما يعكس لحظة كاشفة في مسار إعادة الولايات المتحدة الأمريكية تعريف علاقاتها بفنائها الخلفي، أمريكا اللاتينية، وترجمة سريعة ومباشرة لمبدأ مونرو الذي تضمنته الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي، والتي صدرت في ديسمبر 2025، بإعادة إحياء هذا المبدأ كعقيدة حاكمة للسياسة الخارجية الأمريكية في نصف الكرة الغربي، والذي أُعلن عام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في شؤون أمريكا اللاتينية، وهو ما يُعد نوعًا من التحول من الصيغة الدفاعية إلى غطاء سياسي للتدخل والهيمنة، يتماشى مع رؤية ترامب الجديدة.

يُضاف إلى ذلك أن هذا الاستهداف يعكس أيضًا محورية ودور النفط في الاستراتيجية الأمريكية، في ظل الاحتياطيات النفطية الضخمة في فنزويلا، باعتبارها الدولة الأولى في حجم الاحتياطي العالمي، ورغبة الولايات المتحدة الأمريكية كذلك في توظيف النفط كورقة ضغط في صراعها مع الصين، التي تستورد ما يقرب من 4% من حجم استهلاكها النفطي من فنزويلا، وبما يحول دون تحول فنزويلا إلى منصة استراتيجية نفطية ومعدنية بعيدة عن الهيمنة الأمريكية.

دوافع متنوعة

تتنوع دوافع التحول الأمريكي لتنفيذ تلك العملية النوعية في عمق الأراضي الفنزويلية، ويمكن الإشارة إلى أبرز هذه الدوافع على النحو التالي:

(*) ترجمة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي 2025: تضمنت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي إعادة إحياء مبدأ مونرو بوصفه عقيدة حاكمة للسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. وهو المبدأ الذي أُعلن عام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في شؤون قارة أمريكا اللاتينية، وهو ما يُعد تحولًا تاريخيًا من صيغة دفاعية إلى غطاء سياسي للتدخل والهيمنة، يجعل من حسم الصراعات الدولية التي تخوضها واشنطن ضد مناوئيها نموذجًا يمكن أن يتم محاكاته في تجارب منافسين دوليين لأمريكا، يأتي في مقدمتهم الصين، وما يمكن أن تقوم به في تايوان، وروسيا وما يمكن أن ينفذه بوتين في أوكرانيا. هذا الواقع الدولي الجديد الذي تقدمه واشنطن في حسم صراعاتها الدولية، وإن كان يترجم مبدأ مونرو ويحوّله من تحذير دفاعي إلى أداة هيمنة وسيطرة على مفاصل الدول، يُعيد خبرات أمريكا في أزمنة مضت؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيما مع توجهات الرئيس الأمريكي الراحل روزفلت، جرى تأويل المبدأ بوصفه تفويضًا أمريكيًا بالتدخل العسكري والسياسي في دول الجوار بهدف الاستقرار ومنع الفوضى، ما فتح الباب أمام دعم انقلابات وشن حروب بالوكالة في كوبا وبنما ونيكاراجوا وتشيلي وغيرها. لذلك مثّل مبدأ مونرو في عهد دونالد ترامب عودة عملية وصريحة إلى منطقه الإمبراطوري، حيث تعاملت إدارته مع أمريكا اللاتينية باعتبارها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، واعتبرت النفوذين الروسي والصيني في المنطقة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي يجب مواجهته بحسم. لذلك جرى إحياء مبدأ مونرو كسياسة ردع نشطة: عقوبات اقتصادية خانقة، ودعم توجهات المعارضة الداخلية، واللجوء إلى تغيير النظام الحاكم بالقوة أو بالضغوط القصوى. في حالة فنزويلا تحديدًا، اتخذ هذا التجديد في مبدأ مونرو منطق القبض على رأس الدولة نفسه، وهو تطور نوعي ينقل المبدأ من مرحلة التدخل غير المباشر إلى مرحلة السيادة المنتقصة، بحيث تصبح الدولة الواقعة في مجال التحدي الأمريكي عاجزة حتى عن حماية رئيسها إذا قررت أمريكا الإطاحة به، إذ تمتلك أمريكا خبرات تاريخية في التدخلات والإطاحة بالنظم المناوئة لسياساتها، كما حدث في كوبا وفيتنام وبنما وتشيلي والعراق وأفغانستان، كما تعكس خبرات ذلك التدخل أيضًا فشلًا ذريعًا في بناء أنظمة بديلة قادرة على الحكم، وهو ما حدث في تجارب فيتنام وكوبا والعراق وأفغانستان.

(*) المتغيرات الجيوسياسية: تكمن محورية فنزويلا في التدخلات الأمريكية الأخيرة، باعتبارها تقع في منطقة استراتيجية حيوية على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية، وتجاور كلًا من البرازيل والمكسيك، وهو ما جعلها على تخوم الحدود الأمريكية، وعلى مسافة قريبة نسبيًا من السواحل الأمريكية. كما تطل على البحر الكاريبي، بما يجعلها على مشارف خطوط الشحن الدولية. ومن حيث المساحة تُعد فنزويلا الدولة رقم 32 من حيث الحجم على مستوى العالم، والسادسة في أمريكا اللاتينية، إذ تبلغ مساحتها 916 ألفًا و445 كيلومترًا مربعًا. وتُعد فنزويلا أكبر بنحو 1.5 مرة من ولاية تكساس الأمريكية. ويبلغ عدد سكان فنزويلا نحو 28.4 مليون نسمة، مما يجعلها الدولة رقم 53 من حيث عدد السكان في العالم. ويعيش نحو 85% من سكانها في مناطق حضرية في شمال البلاد، وهي مناطق جبلية ساحلية، حيث تقع معظم المدن الكبرى. وتُعد المدن الأكثر كثافة بالسكان هي العاصمة كاراكاس (3 ملايين نسمة)، وماراكايبو (2.4 مليون نسمة)، وفلنسيا (مليونان). ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا 108.5 مليارات دولار، مما يجعلها واحدة من أصغر الاقتصادات في أمريكا اللاتينية، ما دفع سكانها إلى أكبر عملية نزوح للخارج في تاريخها، وصل عام 2018 إلى ما يقرب من 1.4 مليون شخص مهاجر، وذلك على الرغم من مواردها الطبيعية الهائلة من ثروات نفطية وزراعية شكّلت لعقود عماد اقتصادها.

(*) محورية النفط في المعادلة الأمريكية: على الرغم من تراجع الإنتاج الفنزويلي، تظل فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. لذلك فإن الهدف الأمريكي هو السيطرة على اتجاهات هذا المورد، أو على الأقل منع خصوم واشنطن من توظيفه سياسيًا واقتصاديًا. لذلك لا يمكن فصل ما جرى عن اعتبارات سوق الطاقة العالمية، ولا عن رغبة أمريكية في إعادة إدماج هذا المورد ضمن منظومة أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية. وهو ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تفرض حصارًا بحريًا شاملًا على السفن الخاضعة للعقوبات، سواء الذاهبة إلى فنزويلا أو منها، وكذلك تصنيف النظام الفنزويلي منظمة إرهابية أجنبية. ولطالما اتهم مادورو الولايات المتحدة بالسعي للسيطرة على ثروات بلاده الطبيعية. وهو ما دفعه للقول، في شهر نوفمبر 2025، إن فنزويلا تُستهدف لأنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ورابع أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، وأكثر من 30 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة، مضيفًا: "لو لم تكن لدينا هذه الثروات ولم نكن في موقع استراتيجي لما ذكر أحد اسم فنزويلا". وبين التصعيد الأمريكي والرفض الفنزويلي، يرى مراقبون أن الصراع يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي ليصل إلى جوهره الاستراتيجي: السباق على موارد الطاقة، وتأكيد النفوذ في الفناء الخلفي للولايات المتحدة. حيث تُعد فنزويلا الدولة الأولى عالميًا من حيث حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة، إذ تُقدَّر احتياطياتها بنحو 303 مليارات برميل. وعلى الرغم من هذا التفوق من حيث الاحتياطيات، فإن فنزويلا تحتل المرتبة 12 عالميًا من حيث حجم إنتاج النفط، وفقًا لبيانات منصة وورلد ميترز.

(*) منع الخصوم من السيطرة على موارد فنزويلا: تقع فنزويلا فيما يعرّفه الخبراء بقوس التعدين في أورينوكو، وهو نطاق غني بالذهب والماس والبوكسيت والحديد، فضلًا عن معادن نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية. وهو ما دفع فنزويلا إلى إتاحة الفرصة للاستثمارات الروسية والصينية للدخول في تلك القطاعات، أملًا في تعويض تراجع عائدات النفط بعد العقوبات الأمريكية والحصار المفروض على صادراتها من النفط. وهو ما جعل واشنطن تخشى من أن تتحول فنزويلا إلى منصة استخراج موارد استراتيجية خارج السيطرة الأمريكية، لا سيما أن النفط أضحى أيضًا موردًا لهؤلاء الخصوم والمنافسين. وتُعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في العالم، إذ تجاوزت وارداتها 600 ألف برميل يوميًا خلال شهر ديسمبر 2025، وهو ما يمثل نحو 4% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، وفقًا لوكالة رويترز. بعد الصين، تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بين مستوردي النفط الفنزويلي، إذ استوردت نحو 222 ألف برميل يوميًا خلال عام 2024. أما القارة الأوروبية فبلغت وارداتها قرابة 75 ألف برميل يوميًا، فيما حلّت الهند في المرتبة الرابعة بواردات تُقدَّر بنحو 63 ألف برميل يوميًا خلال العام نفسه، وذلك وفقًا لبيانات منصة ستاتيستا. لذلك يمثل أحد أهداف الولايات المتحدة من الإطاحة بمادورو منع الخصوم من السيطرة على موارد فنزويلا النفطية، لا سيما بعد أن شهد إنتاج النفط في فنزويلا نموًا ملحوظًا خلال عامي 2024 و2025. وبلغ الإنتاج الشهري ذروته عند 940 ألف برميل يوميًا في فبراير 2025، أي بزيادة تقارب 100 ألف برميل يوميًا مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. كما شهد الإنتاج السنوي من النفط الخام في فنزويلا ارتفاعًا تدريجيًا خلال السنوات القليلة الماضية، ليصل إلى نحو 960 ألف برميل يوميًا في عام 2024، وفقًا لمنصة ستاتيستا. ورغم أن احتياطيات فنزويلا تُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، فإن هذا التباين بين الاحتياطيات وحجم الإنتاج يضع فنزويلا في صلب الاهتمام الأمريكي.

(*) إخراج مادورو من السلطة: شكّل الهدف الرئيسي للهجوم الأمريكي على فنزويلا إخراج مادورو من السلطة بالقبض عليه وترحيله إلى أمريكا لمحاكمته، وكذلك السعي إلى نقل السلطة في فنزويلا إلى نظام جديد أكثر قربًا وتحالفًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعيدًا عن مناوءة السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، وفنزويلا تحديدًا. فخبرة مادورو قامت بالأساس على رفض السلوك الأمريكي الساعي للهيمنة على مقدرات أمريكا اللاتينية، ومن بينها فنزويلا. ووفقًا لصحيفة فينانشيال تايمز، يُنظر إلى مادورو بشكل مختلف بين الداخل والخارج؛ إذ يرى أنصاره أنه استمرارية لمشروع هوجو شافيز البوليفاري، ومدافع عن السيادة الوطنية أمام الهيمنة الخارجية، بينما يراه معارضوه رمزًا للاستبداد الشعبوي ومسؤولًا عن الأزمة الاقتصادية والانغلاق السياسي. وكانت واشنطن قد اتجهت قبل تنفيذ تلك العملية، التي أدت إلى اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، التي برزت في البداية محامية لهوجو شافيز، ثم أصبحت لاحقًا المدعية العامة لفنزويلا، إلى فرض عقوبات اقتصادية على شركات نفط فنزويلية وناقلات تابعة لها، ضمن حملة أوسع استهدفت تقليص عائدات النفط التي تمكّن النظام من الاستمرار، حيث نُظر إلى تلك الإجراءات، وفق إدارة ترامب، بوصفها جزءًا من حملة أوسع لمعاقبة نظام مادورو ووقف ما تصفه بالدعم المزعوم لأنشطة عصابات المخدرات.

في النهاية، ما جرى في الثالث من يناير 2026 في فنزويلا، بالقبض على الرئيس مادورو، يتجاوز حدود هذه الدولة، ويعكس توظيف مبدأ مونرو كأداة سياسية في فنزويلا، وما تمثله من ثروة نفطية ومعدنية وموقع جيوستراتيجي، فضلًا عن العودة إلى توظيف واضح لمبدأ استخدام القوة في العلاقات الدولية لإعادة رسم الخرائط ومناطق النفوذ، بصرف النظر عن مدى مشروعية ذلك ومدى اتساقه مع قواعد القانون الدولي في احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ليعيد إلى الأذهان خبرات التدخل الأمريكي لإسقاط الأنظمة المناوئة لتوجهات واشنطن، وهو ما يتماشى مع استدعاء تلك الخبرات ليجد صداه في الوقت الراهن في تحويل مسمى وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، بما لذلك من دلالات ستكشفها المسارات المستقبلية للدور الأمريكي، ليس فقط في مناطق رفض الهيمنة الأمريكية، بل في المناطق التي ستحدد ملامح ومرتكزات النظام الدولي القادم.