الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما الآثار الاقتصادية للضربة الأمريكية على فنزويلا؟

  • مشاركة :
post-title
النفط والضربة الأمريكية على فنزويلا

القاهرة الإخبارية - د. رضوى محمد

في فجر يوم السبت الثالث من يناير 2026، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية ضربة عسكرية واسعة النطاق داخل فنزويلا من خلال قوات "دلتا"، في تصعيد حاد للعلاقة بين البلدين التي ظلت متوترة منذ سنوات، بسبب اتهامات واشنطن المتكررة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونظامه بالفساد والارتباط بتهريب المخدرات، إذ قبض عليه ووزوجته، فيما أعلن الرئيس دونالد ترامب أنهما يواجهان العدالة الأمريكية.

وفي ظل هذه الأزمات التي بدأ بها عام 2026، فالاقتصاد العالمي والإقليمي يتأثر وسيتأثر بشكل أكبر في حال لم يتوقف الاعتداء على سيادة الدول.

وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على الآثار الاقتصادية المختلفة للضربة الأمريكية على فنزويلا، مع توضيح مسارات هذا التوجه خلال الفترة المُقبلة.

تأثيرات اقتصادية

يمكن التعرف على التأثيرات الاقتصادية للضربة الأمريكية على فنزويلا من خلال النقاط التالية:

(-) ارتفاع عدم اليقين الاقتصادي: ترتب على الضربة الأمريكية على فنزويلا عدم الاستقرار في التوقعات لمؤشرات الأسواق المختلفة، فالمتداولون يتابعون عن كثب ما إذا كانت أسعار النفط والذهب والفضة والنحاس سترتفع بعد الهجوم الأمريكي، وأوضح مدير شركة "يا ويلث" شركة الاستشارات المالية والأبحاث الاستثمارية، أن التوترات الجيوسياسية قد تؤجج حالة عدم اليقين، وتوقع افتتاحًا بفجوة سعرية صاعدة للذهب والفضة والنحاس والنفط الخام والبنزين، وهو الأمر الذي يُثير مخاوف المستثمرين في بداية تعاملات عام 2026.

الشكل (1) يوضح احتياطيات النفط في بعض الدول-المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية

(-) تقلبات أسعار النفط: تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي للنفط في العالم، وتستحوذ على نحو 17% من احتياطيات النفط العالمية، أي ما يُعادل 303 مليارات برميل كما يوضح الشكل (1)، ولكن كان التأثير محدودًا على سوق النفط بعد الضربة؛ بسبب تقييد صادرات فنزويلا من النفط بعد العقوبات الأمريكية عليها، كما أن عمليات إنتاج وتكرير النفط في شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) عادت إلى طبيعتها بعد الهجمات، وبينما تضرر ميناء لا جويرا الواقع قرب كاراكاس، إلا أنه لا يستخدم في عمليات النفط.

وبالتالي كما يوضح الشكل (2) لم ترتفع أسعار النفط الخام بل انخفضت من 60.91 دولار للبرميل في 1 يناير 2026 إلى 57.32 دولار للبرميل في 3 يناير، ولكن مؤشرات الطاقة شهدت تقلبات في العديد من البورصات العالمية، إذ انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط (الخام الخفيف الحلو) في بورصة نيويورك التجارية (NYMEX) بنسبة 0.44% ليصل إلى 76.22 دولار للبرميل، في المقابل ارتفع سعر خام برنت في بورصة لندن الدولية للأوراق المالية (ICE) بنسبة 0.04% ليصل إلى 79.20 دولار للبرميل.

الشكل (2) يوضح سعر النفط الخام العالمي قبل وبعد الضربة الأمريكية على فنزويلا

وفي الفترة المقبلة تعتمد أسعار النفط على وضع إمداداته التي تتوقف على مستقبل الدولة الفنزويلية بعد هذا الحادث، ومصير أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، في ظل معاناة قطاع النفط الفنزويلي من تآكل في قدراته الإنتاجية بفعل العقوبات، وسنوات من نقص الاستثمار، وتدهور البنية التحتية، وفي حين صرح الرئيس الأمريكي إن الولايات المتحدة ستسيطر على احتياطيات النفط الضخمة في فنزويلا، وستستقطب شركات أمريكية؛ لاستثمار مليارات الدولارات في إعادة تأهيل قطاع النفط المتدهور، فمن المتوقع ألا تشهد أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا في المدى الطويل إذا لم يستمر التوتر، ومن الممكن -مع تقييم المستثمرين مخاوف فائض العرض والمخاوف الجيوسياسية- أن يتكبد سوق النفط العالمي خسائر كبيرة.

(-) احتمال ارتفاع أسعار المعادن: أثرت الأزمة على خطوط النقل البحري التي تستخدمها كلٌ من بيرو وتشاد، وهما من كبار مصدري الفضة، وبالتالي قد يدعم هذا الاضطراب أسعار الفضة، فقد تتجه نحو نطاق 75 إلى 78 دولارًا للأوقية، كما من المُحتمل أن ترتفع أسعار الذهب بسبب التوترات الجيوسياسية، ووفقًا للتوقعات من المُحتمل أن يفتتح الذهب تداولات الأسبوع المقبل عند مستويات أعلى تصل إلى 4380 دولارًا للأوقية، وهو الأمر الذي يُشير إلى أن الضربة الأمريكية على فنزويلا ترفع من الطلب على الأصول الآمنة.

(-) تراجع طلب الأصول عالية المخاطر: سجلت عملة البيتكوين والعملات الرقمية البديلة الرئيسية انخفاضًا حادًا في أسعارها مع اقتراب موعد تداولات أوائل عام 2026، فالتطورات الجيوسياسية يُمكن أن تؤدي إلى انخفاض حاد في السيولة، وزيادة في عدم اليقين، ما يعيد العملات المشفرة إلى مسارها "المخاطرة أو النفور من المخاطرة"، خاصة عندما يكون المتداولون متوترين بشأن المستقبل.

(-) تضرُر الأسواق المالية: ترتفع درجة مرونة الأسواق المالية للأحداث الجيوسياسية بشكل كبير، فالاستثمار في البورصة يتوقف على درجة اليقين الاقتصادي، ولذلك بعد الضربة الأمريكية على فنزويلا تراجعت غالبية الأسهم المدرجة في بورصة السعودية بمستهل تعاملات الأسبوع، إذ انخفض مؤشر تداول جميع الأسهم السعودي "تاسي" بنسبة 1.4%، أو أكثر من 150 نقطة، ليهبط دون مستوى 10400 نقطة خلال ساعتين من التداول اليوم، هذا فضلاً عن عدم الاستقرار في مؤشرات الطاقة بالبورصات الكبرى، وقد أحدثت الضربة هروب لرؤوس الأموال من البورصة الفنزويلية.

مسارات متعددة

يحمل ما حدث في فنزويلا العديد من المسارات المستقبلية، وهي كالتالي:

(-) تكرار السيناريو: لا يوجد ما يُبرر التدخل في شؤون الدول بهذه الطريقة، فهناك العديد من الآليات الشرعية التي كان من الممكن اتباعها، دون الاختراق الواضح لسيادة فنزويلا، ووفق هذا النطاق يُمكن القول إن توجيه ترامب رسالة لإيران أن "الولايات المتحدة الأمريكية ستتدخل لإنقاذ الشعب إذا أقدم النظام على إطلاق النار على المحتجين السلميين وقتلهم بعنف"، وتأكيده على أن الولايات المتحدة في حالة " تأهُب كاملة وجاهزة للتحرك" يُشير إلى أن سيناريو التدخل في شؤون الدول لن يتوقف عند ما حدث في فنزويلا.

(-) إخراج المنافسين: باعتبار أن الصين وروسيا من أكبر المنافسين للولايات المتحدة الأمريكية، فيُمكن اعتبار الضربة الأمريكية على فنزويلا تثبيت لقدم الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، فالصين خلال العقدين الماضيين وسعت علاقاتها الاقتصادية مع بلدان أمريكا اللاتينية، ووقعت الصين مع فنزويلا خلال عام 2025 نحو 600 مشروع تعاون، وهو الأمر الذي يدل على أن الوجود الصيني في فنزويلا كان سيكون كبيرًا في عهد "مادورو".

وعلى الجانب الآخر، توجد علاقات اقتصادية كبيرة بين روسيا وفنزويلا، إذ توجد مشروعات مشتركة بين شركة روسنفت الروسية وشركة النفط الوطنية الفنزويلية، فضلاً عن معاهدة الشراكة والتعاون الإستراتيجي بين فنزويلا والاتحاد الروسي، والتي تتضمن إنشاء بنية تحتية مالية لتسهيل التجارة، وتشجيع الاستثمارات المشتركة في قطاعات رئيسية مثل الطاقة والغاز والتعدين.

وبالتالي في ضوء العلاقات الاقتصادية المُتنامية بين كلٍ من روسيا والصين من جهة وفنزويلا من جهة أخرى، فإنه يُمكن القول إن ما قام به دونالد ترامب سيقطع الطريق بشكل نسبي أمام هذه الدول في تحقيق مزيد من الانفتاح الاقتصادي مع فنزويلا، إذ إنه من المتوقع أن يأتي رئيسٌ لفنزويلا متوافق مع المصالح الأمريكية، التي تسعى إلى تحجيم إنطلاق الاقتصادان الصيني والروسي.

وفي النهاية يُمكن القول إن التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا يعكس استخدام الأدوات العسكرية في إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي الدولي، إذ تتحول الضربة إلى عامل إعادة تشكيل للاقتصاد العالمي والإقليمي، وليس مجرد رسالة ردع آنية، ومن ثم فإن العالم يحتاج إلى تطبيق معايير القانون الدولي بشكل واقعي و فعلي حتى لا تُستباح الدول بشكل يضر بجميع مبادئ النظام الاقتصادي والسياسي، فالأزمة لا تقتصر على الدولة المُتدخَل بها فحسب، بل تُصدَّر إلى باقي دول العالم، في صورة تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع في أسعار السلع والمعادن والنفط، وزيادة درجة عدم اليقين الاقتصادي، وهو الأمر الذي يتوجب على جميع الدول احترام سيادة الدول الأخرى.