الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تحرر من تجارب الماضي.. كرم مطاوع شخّص أزمة المسرح وقدم الحل

  • مشاركة :
post-title
الفنان المصري الراحل كرم مطاوع

القاهرة الإخبارية - محمد عبد المنعم

كان الفنان المصري الراحل كرم مطاوع، الملقب بـ"فيلسوف المسرح المصري" و "قديس المسرح"، أحد أبرز رواد التجديد في المسرح المصري والعربي، وشخّص الراحل أزمة "أبو الفنون" ووضع روشتة إنقاذه من خلال ضرورة الاعتماد على العناصر المحلية والقومية وتجنب التبعية للنماذج الغربية، مؤكدًا أن المسرح لا يصنعه إلا "رجاله" المتفهمون لواقع مجتمعهم.

الجميع رصد وحلل الحركة المسرحية لـ كرم مطاوع، وتوغلوا في الكتابة عن أعماله كممثل ومخرج، لذلك أردنا في ذكرى وفاته (9 ديسمبر 1996) التي تحل اليوم أن نعرف في هذا التقرير كيف تحدث كرم مطاوع عن المسرح في لقاءاته النادرة.

الفارس كرم مطاوع

عرّف الدكتور فوزي فهمي رئيس أكاديمية الفنون الأسبق الفنان الراحل كرم مطاوع بأنه: "الفارس الذي غادرنا كان قد أدهشنا حين ظل طوال حياته الإبداعية يستجوب على نحو متصل الحركة المسرحية المصرية ليبدد الأوهام. مشاركًا في كل فرص الإسهام.. محفزًا الإبداع منذ عودته من بعثته حتى ساعة الوداع التي غلَّفها الجلال استيعابًا لنسق حياة رجل اضطلع بمسؤولية الإبداع، رافضًا الإذعان في بوتقة الاجترار".

وتابع: "إنه كرم مطاوع الفارس الذي ارتبط بالمعهد العالي للفنون المسرحية كمؤسسة منتجة لرأس المال الثقافي والفني، كان كرم دائمًا يراهن على الإبداع مدركًا أن جهده يصب على أرضية الحياة العامة، إذ إن صياغة وجدان صناع الوجدان كانت لديه أهم شروط إنتاج المجتمع الذي لا يسمح بمرور الانحطاط".

وأنهى حديثه عنه قائلًا: "لقد امتلك كرم مطاوع طاقة التميز، وامتلك أيضًا الوعي بذلك، لذا كانت مشاعره إنتاجًا موثوقًا، يتحرك عبر عناصر فن المسرح من الخط واللون والفراغ والعمق، والنتوء والإضاءة، والحركة والنطق واللغة إنه عالم كرم مطاوع".

البيت الفني للمسرح

وفي حوار مع صحيفة "الأهرام" المصرية نشر عام 1990، تحدث كرم مطاوع، بعد أن تولى رئاسة البيت الفني للمسرح، وعن رؤيته لما يجب أن يكون عليه المسرح المصري في المرحلة المقبلة، وقال إن هناك مساحة كبيرة من الاهتمام ستخصص لاستعادة الأسماء اللامعة التي صنعت تاريخ المسرح سابقًا، من نقاد ومخرجين ومؤلفين، ممن شعروا أن المؤسسة أدارت لهم ظهرها خلال السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الشباب يمثلون الركيزة الأساسية للمسرح، سواء من حيث مسؤوليتهم التاريخية تجاه المستقبل أو من حيث واجب القائمين على المسرح في تمكينهم ومنحهم الفرصة الكاملة ليؤدُّوا دورهم، مؤكدًا أن قدرهم أن يقودوا الحركة المسرحية في المستقبل القريب.

وجَّه كرم مطاوع، خلال الحوار، دعوة صادقة لكل محب للمسرح المصري كي يتعاون معه؛ من أجل أن يستعيد هذا الفن مكانته ودوره.

شكل جديد للمسرح

مطاوع كان يضع نصب عينيه مسؤولية وطنية تتمثل في صياغة شكل جديد للمسرح المصري، ويقول: "لا نريد مسرحًا يستنسخ تجارب الستينيات، بل يتناغم مع روح القرن المقبل، ومن هذا المنطلق، أتطلع إلى لقاء الفنانين بقلب مفتوح؛ بحثًا عن رؤية متطورة قادرة على مواكبة المجتمع المصري اليوم، لا إلى استعادة أساطير أو صيغ قديمة فقدت اتصالها بالواقع".

وأضاف أن المسرح لا يصنعه إلا رجاله، وأن مهمته الأساسية هي لم شمل من هجروا المسرح أو هجرهم، لأسباب لا علاقة لها بمصلحة الجمهور المصري.

فن يتطور مع الزمن

تساءل كرم مطاوع، في حوار مع صحيفة "الجمهورية" المصرية عام 1990: أيّ مسرح نحتاج إليه اليوم؟ معتبرًا أن الإجابة الواعية عن هذا التساؤل تمثل بداية الطريق، فالرؤية المستقبلية تفرض ــ بحسب قوله ــ ابتكار صيغ مسرحية جديدة، سواء من حيث المعالجة الفنية أو من خلال إدارات قادرة على استحداث شكل المسرح القادم، بما يعني إغلاق صفحة "مسرح الستينيات"، ليس انتقاصًا من قيمته، بل تحررًا من النظرة إلى الخلف، وإدراكًا أن المسرح فن جدلي يتطور مع الزمن.

كلاسيكيات المسرح

وحول الكلاسيكيات، قال مطاوع إنه لا يمكن عزل العقل والوجدان المصري عن الأعمال التراثية الكبرى، سواء المصرية أو العربية أو الأجنبية، متسائلًا: "هل يمكن تصور مسرح بلا الحكيم والشرقاوي والفريد فرج وشكسبير وموليير وتشيخوف؟"، مؤكدًا أن هذه الأعمال الخالدة تحمل قيمًا تجعلها حاضرة في كل زمان ومكان، وأن مسؤولية المؤسسة تتطلب إحياء روح الشموخ لدى الجمهور عبر طرح هذه الأعمال بين الحين والآخر؛ لأنها ليست مجرد لحظة إبداعية عابرة، بل تراكم خبرات وتواصل أجيال.

استثمار المسرح

يرى مطاوع أن المسرح استثمار مزدوج قائلًا: "هو استثمار للعقل والوجدان أولًا، ثم استثمار ثقافي واقتصادي ثانيًا، فالدول التي أدركت قيمة المسرح استطاعت تحويله إلى وسيلة للجذب السياحي، لا مجرد مسرح موجّه للسياح".

وعند سؤاله عن دور البيوت المسرحية، قال خلال حواره الصحفي، إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب "المنهج"، مشددًا على ضرورة أن يكون لكل بيت مسرحي ملامحه الخاصة التي تبرر استقلاله عن غيره، وأن يحتفظ كل بيت بتوجه قومي متماسك، مع الحفاظ على خصوصية المسرح القومي ورصانته، بحيث يكون لكل بيت مؤلفه وعروضه الخاصة، إضافة إلى المساحات الممنوحة للتجارب الشبابية والتجريبية.

نجوم من خارج المسرح

أما عن الاستعانة بنجوم من خارج مسارح الدولة، فقال مطاوع: "أنا مع أبناء المسرح أولًا"، مؤكدًا أن ذلك لا يتعارض مع استثمار جميع الطاقات المتاحة، ولكن بشرط إشباع احتياجات أبناء المؤسسة قبل غيرهم، معتبرًا أن المسرح لا بد أن يبتكر نجومه أيضًا، لا أن يظل مُعتمِدًا على نجوم جاهزين.