الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما دلالات توقيع تركيا والصومال اتفاقية جديدة للدعم الدفاعي؟

  • مشاركة :
post-title
تركيا والصومال توقعان اتفاقية مساعدة نقدية دفاعية خلال معرض الصناعات الدفاعية الدولي 2025، بحضور وزير الدفاع الوطني التركي يشار غولر ووزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي.

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في مؤشر جديد على تنامي الشراكة الاستراتيجية بين أنقرة ومقديشو، وقّعت كل من تركيا والصومال اتفاقية مساعدة نقدية دفاعية على هامش فعاليات الدورة الـ17 لمعرض الصناعات الدفاعية الدولي الذي استضافته إسطنبول يوليو 2025، بحضور رسمي رفيع المستوى لكل من وزير الدفاع الوطني التركي يشار جولر، ووزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي. وتُعد هذه الخطوة امتدادًا لمسار طويل من التعاون المتصاعد بين الطرفين، الذي انطلق قبل أكثر من عقد عبر بوابة المساعدات الإنسانية والدعم الاقتصادي، قبل أن يتطور تدريجيًا إلى تعاون أمني ودفاعي شامل تم تتويجه بإنشاء قاعدة "تركيصوم" العسكرية في العاصمة مقديشو عام 2017، التي تُعد اليوم أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج الأراضي التركية، ويمثل توقيع الاتفاقية الجديدة في هذا التوقيت دلالة واضحة على رسوخ الحضور التركي بالساحة الصومالية، خاصة في ظل تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في منطقة القرن الإفريقي.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ما دلالات توقيع تركيا والصومال اتفاقية جديدة للدعم الدفاعي؟

أهداف الاتفاق

ينطوي هذا الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال على جملة من الأهداف الاستراتيجية للطرفين، تتمثل في:

(*) تعزيز قدرات الجيش الصومالي: يندرج الاتفاق ضمن مساعي الحكومة الصومالية لتعزيز قدرات قواتها المسلحة، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة، وفي مقدمتها خطر "حركة الشباب المجاهدين". وتلعب تركيا دورًا محوريًا في هذا الإطار، عبر توفير برامج تدريب متخصصة للضباط والجنود، وتقديم الدعم اللوجستي والتقني، بما يشمل الأسلحة، والزي الرسمي، ومعدات الاتصال الحديثة.

(*) ترسيخ النفوذ التركي في القرن الإفريقي: بالنسبة لتركيا، يُعد هذا الاتفاق جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز حضورها في شرق إفريقيا، خاصة في منطقة القرن الإفريقي ذات الأهمية الجيوسياسية. من خلال الاتفاق، تعزز أنقرة وجودها العسكري واللوجستي عبر قاعدتها في مقديشو، كما تؤكد نفسها كفاعل إقليمي مهم يمتلك القدرة على تقديم بدائل أمنية واقتصادية أكثر مرونة للدول الإفريقية مقارنة بالقوى الغربية.

(*) توسيع صادرات الصناعات الدفاعية التركية: يسمح الاتفاق بترويج المنتجات العسكرية التركية داخل السوق الإفريقية. إذ تشمل المساعدات المقدمة تجهيزات وأسلحة من إنتاج شركات تركية، ما يعزز مكانة أنقرة كمورد موثوق للسلاح بالقارة، كما يسهم ذلك في دعم الاقتصاد التركي من خلال تنشيط قطاع الصناعات الدفاعية، وخلق عقود طويلة الأجل مع دول متحالفة.

(*) تعزيز الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي: يتشارك الطرفان "الصومالي، والتركي" في هدف أوسع هو خلق بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، خاصة في ظل تنامي التهديدات الإرهابية وتزايد التنافس الدولي في البحر الأحمر وخليج عدن. ومن خلال هذا التعاون، تسعى تركيا والصومال إلى بناء شراكة أمنية قادرة على التصدي للتحديات العابرة للحدود، مثل القرصنة، والجريمة المنظمة، وتسلل الجماعات المتشددة عبر الدول الهشة.

دلالات استراتيجية

تحمل هذه الاتفاقية في طياتها عددًا من الدلالات والانعكاسات المحتملة على أكثر من صعيد، أبرزها:

(*) تعزيز مكانة تركيا كقوة صاعدة في إفريقيا: يمثل الاتفاق خطوة جديدة نحو توسيع النفوذ التركي بالقارة الإفريقية، خاصة في منطقة القرن الإفريقي، فبعد أن ركزت تركيا خلال العقدين الماضيين، على أدوات القوة الناعمة كالمساعدات الإنسانية، اتجهت نحو ترسيخ نفوذها العسكري والدفاعي. هذا التمدد يُعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ويمنح أنقرة موقعًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي، بما يسمح لها بالتأثير في مسارات النزاعات، وفتح أسواق جديدة لمنتجاتها الدفاعية، والتموضع بالقرب من ممرات بحرية حيوية.

(*) تراجع نفوذ المنافسين الإقليميين والدوليين: تثير الاتفاقية قلقًا متزايدًا لدى أطراف دولية وإقليمية لها مصالح تقليدية في الصومال، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، التي اعتادت لعب أدوار محورية في الملف الصومالي. ومن خلال بناء شراكة مباشرة مع الحكومة الصومالية تشمل التدريب والتسليح والدعم اللوجستي، تزداد فرص أنقرة في الحصول على امتيازات استراتيجية كإدارة قواعد أو موانئ، ما يمنحها نفوذًا طويل الأمد يصعب تجاوزه أو احتواؤه من قبل المنافسين التقليديين.

(*) دعم مسار الانسحاب التدريجي لقوات أتميس: تعاني بعثة "أتميس" الإفريقية تحديات تمويلية وسياسية، وتسعى الصومال منذ سنوات إلى استعادة السيطرة الكاملة على أمنها الداخلي. ومن هنا، يُعد الدعم التركي بديلًا جزئيًا يساعد على ملء الفراغ الأمني المتوقع بعد مغادرة قوات الاتحاد الإفريقي. وهذا يعزز ثقة الحكومة الصومالية في قدرتها على مواجهة التهديدات دون تدخل مباشر، ويدفع نحو إنهاء مرحلة الاتكال على القوات الأجنبية متعددة الجنسيات.

(*) تأجيج التنافس على الموانئ والموارد البحرية: بما أن الاتفاق يأتي في أعقاب توترات خلفتها اتفاقيات سابقة، أبرزها توقيع مذكرة تفاهم مثيرة للجدل بين "صوماليلاند" وإثيوبيا بشأن ميناء بربرة، يناير 2024، فإن التعاون التركي الصومالي قد يُفهم أيضًا كجزء من صراع أوسع على السيطرة على السواحل والموانئ. ويحتمل أن تسهم هذه التطورات في تصعيد التوترات الإقليمية، وعودة التصريحات الحادة بين مقديشو وأديس أبابا، ما يخلق حالة من التنافس الجيوسياسي الحاد بالمنطقة.

ختامًا، يمكن القول إن توقيع الاتفاقية الجديدة للدعم الدفاعي بين تركيا والصومال يُعبّر عن التقاء مصالح مزدوجة، فمن جهة، تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها في منطقة القرن الإفريقي ذات الأهمية الجيوسياسية، ومن جهة أخرى، يطمح الصومال إلى تطوير قدراته الدفاعية والأمنية في مواجهة تحديات داخلية وإقليمية معقدة. ويشير توقيت الاتفاق ومضمونه إلى رغبة مشتركة في ترسيخ علاقة طويلة الأمد تتجاوز الدعم الفني إلى بناء تحالف فِعلي ذي أبعاد أمنية واستراتيجية واقتصادية. وبذلك، لا يقتصر دلالات الاتفاق على مجرد كونه بروتوكولًا دفاعيًا، بل يُعد مؤشرًا على تحوّل العلاقة بين الطرفين إلى نموذج تعاون شامل، يحتمل أن يترك تأثيرًا مباشرًا على توازنات القوى الإقليمية في شرق إفريقيا.