الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بدأ منذ الحرب العالمية الثانية.. "جرينلاند" حلم أمريكي يراود ترامب

  • مشاركة :
post-title
فكرة أن تصبح جرينلاند ولاية أمريكية حلم بعيد المنال بالنسبة لترامب

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

قبل زيارة نائبه جيه دي فانس وزوجته إلى جرينلاند، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصحفيين في المكتب البيضاوي ليقول لهم إن أمريكا "ستذهب إلى أبعد ما يمكن للسيطرة على جرينلاند".

وأكد "ترامب" أن بلاده بحاجة إلى جرينلاند "من أجل الأمنين القومي والدولي"، بينما جلس "دي فانس" في قاعدة "بيتوفيك" الفضائية -وهي أقصى منشأة عسكرية أمريكية شمالًا- لينتقد التعامل الدنماركي مع جرينلاند، في محاولة لاستمالة أهل الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي، وهي الرحلة التي وصفتها رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن بأنها تضع "ضغوطًا غير مقبولة" على جرينلاند والدنمارك.

ورغم الحديث عن غزو عسكري، فإن هناك طرقًا أخرى يمكن لأمريكا من خلالها السيطرة على أراضي القطب الشمالي، مثل الارتباط الحر، الذي يعني القدرة على الحفاظ على الحكم الذاتي إلى جانب الشراكة الطوعية والمتبادلة مع دولة ذات سيادة.

ويلفت تقرير لمجلة "نيوزويك" الأمريكية إلى أن أي خطوة من هذا القبيل من شأنها أن تخلّف عواقب بعيدة المدى على حوكمة جرينلاند وديناميكيات الدفاع الأمريكي، وكذلك على التغيرات الجيوسياسية، مع انضمام جرينلاند إلى حلف شمال الأطلسي، والأهمية المتزايدة للقطب الشمالي في الأمن العالمي.

أمريكا وجرينلاند

كان للولايات المتحدة وجود عسكري في جرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الجزيرة لا تزال مستعمرة دنماركية، وكانت الدنمارك نفسها محتلة من قِبل ألمانيا النازية.

في عام 1941، أبرمت واشنطن اتفاقية مع مسؤولين دنماركيين منفيين لإنشاء قواعد عسكرية في جرينلاند لمواجهة النفوذ الألماني؛ وبنت قاعدة "بيتوفيك" الفضائية -التي كانت تُعرف آنذاك بقاعدة "ثولي" الجوية- التي أصبحت موقعًا استراتيجيًا رئيسيًا خلال الحرب الباردة لمراقبة إطلاق الصواريخ السوفيتية.

ولا يعد ترامب أول رئيس أمريكي يطرح فكرة السيطرة على جرينلاند، ففي عام 1867، ناقشت إدارة أندرو جونسون شراء الجزيرة بعد صفقة ألاسكا، التي اشترت فيها أمريكا الولاية القطبية من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار.

كان العرض الأكثر جدية لضم جرينلاند في عام 1946، عندما قدّم الرئيس هاري ترومان عرضًا بعد الحرب العالمية الثانية لشراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار من الذهب، لكن تم رفضه.

أمّا ترامب، فقد ذكر رغبته في الاستحواذ على جرينلاند لأول مرة خلال فترة ولايته الأولى في عام 2019، وهو ما رفضته الدنمارك، لكنه جعل هذا المسعى محورًا رئيسيًا لإدارته الحالية.

احتمالات السيطرة

تنقل "نيوزويك" عن الباحث القانوني ويليام بانكس، المتخصص في قانون الأمن القومي بجامعة سيراكيوز في نيويورك، فكرة أن تصبح جرينلاند ولاية أمريكية بأنها "مجرد حلم بعيد المنال بالنسبة لترامب"، مشيرًا إلى أنه "سيتعين على جرينلاند طلب إقامة دولة، وهو احتمالٌ مستبعدٌ للغاية".

وأضاف: "ستكون الصدامات مع الدنمارك والاتحاد الأوروبي كثيرة، وإذا حاولت الولايات المتحدة الاستيلاء على جرينلاند بالقوة، فستكون بمثابة حربٍ غير قانونية".

كما قال الدكتور رومان شوفارت، رئيس ومدير عام معهد القطب الشمالي، إن سيناريو أن تصبح جرينلاند الولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة غير مرجح إلى حد كبير، مضيفًا: "أي قرار يتعلق بالسيادة أو الدولة أو التكامل الإقليمي سوف يعتمد بشكل أساسي على العمليات الديمقراطية في جرينلاند، وسيتطلب مفاوضات شاملة وموافقة من خلال الآليات القانونية والديمقراطية القائمة داخل جرينلاند والدنمارك".

الاستيلاء العسكري

ينقل التقرير عن استطلاع رأي شائع أجرته صحيفة "بيرلينجسك" الدنماركية وصحيفة "سيرميتسياك" اليومية في جرينلاند، أن 85% من سكانها لا يريدون أن يصبحوا جزءًا من الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، معظم سكان الجزيرة القبطية يؤيدون الاستقلال عن الدنمارك، وهو أمر يبدو أن ترامب يسعى لاستغلاله، فقد قال في خطاب ألقاه في 25 مارس: "ندعم بقوة حقكم في تقرير مستقبلكم. وإذا اخترتم ذلك، فنحن نرحّب بكم في الولايات المتحدة الأمريكية".

في حين ركّزت رسائل ترامب بشكل رئيسي على "الاستحواذ" على جرينلاند، فإنه لم يستبعد استخدام العمل العسكري.

وقال باري سكوت زيلين، زميل أمن القطب الشمالي في معهد الشمال، إن الاستيلاء العسكري على جرينلاند سيكون "سريعًا وغير دموي إلى حد كبير"، بحجة أنه "نظرًا لأن جرينلاند حليفة تلعب الولايات المتحدة دورًا طويلًا كمدافع عنها، فإنها قد تشعر بمزيد من الود وتكون أقل معارضة للاستيلاء الأمريكي".

ووفق "زيلين"، في هذا السيناريو يمكن تصور إنشاء نوع من "السلطة المؤقتة" كما فعلت الولايات المتحدة بالعراق في عام 2003، بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل صدام حسين "وتولي سلطة التحالف المؤقتة السلطة بقيادة مسؤول أمريكي عمل على تشكيل حكومة جديدة صديقة".

وطرحت المجلة الأمريكية سيناريو آخر، يتلخص في "حفنة من مشاة البحرية الأمريكية يتولون مهام الشرطة في كل قرية يسكنها ما بين 20 و200 مواطن، وزوارق حربية أمريكية تمنع سفن الحاويات من جلب السلع الاستهلاكية من الدنمارك. وعميل في وكالة المخابرات المركزية يُجبر رئيس الوزراء على توقيع إعلان ولاء للرئيس ترامب تحت تهديد السلاح".

بمعنى آخر، أن يتم تحقيق مطالبات ترامب بالجزيرة عبر انتهاك للقانون الدولي.

تداعيات محتملة

في منتدى القطب الشمالي في "مورمانسك" في شمال روسيا، حذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن الجهود الأمريكية للسيطرة على جرينلاند سيكون لها تأثيرات عالمية، واصفًا خطط ترامب بأنها "خطيرة ولها جذور تاريخية طويلة الأمد".

بالفعل، منذ أعرب ترامب عن نواياه، بدأت ردود الفعل الغاضبة باحتجاج مناهض لترامب نُظم أمام القنصلية الأمريكية في "نوك" بجرينلاند، في وقت سابق من هذا الشهر.

هناك وسط هذه الاحتجاجات، شوهد المتظاهرون يحملون لافتات كُتب عليها "عودوا إلى دياركم" ويرتدون قبعات تحمل شعار "لنجعل أمريكا ترحل" على غرار شعار حملة ترامب الانتخابية "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".

ووفق الخبراء، فإن جميع الممثلين المنتخبين في جرينلاند متفقون تقريبًا على أن السكان لا يرغبون في أن تحكمهم قوة أجنبية، سواء كانت الدنمارك أو الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى

في الوقت نفسه، يلفت التقرير إلى أن تداعيات أي تحركات من جانب واشنطن لإجبار جرينلاند على الرضوخ لرغباتها سوف تكون محسوسة على نطاق واسع.

ونقلت "نيوزويك" عن جيم تاونسند، نائب مساعد وزير الدفاع السابق للسياسة الأوروبية وحلف شمال الأطلسي في البنتاجون حتى عام 2017، أن حلف شمال الأطلسي وقتها "لن يتعافى أبدا".

وقال: "ستكون كارثة مروعة على العلاقات عبر الأطلسي، أو حلف شمال الأطلسي، أو علاقات الولايات المتحدة مع أوروبا وبقية العالم، وستمنح روسيا والصين نصرًا هائلًا".