تعيش جزيرة تايوان حالة من القلق والترقب في ظل المشهد الجيوسياسي المتغير بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، وتتصاعد المخاوف من أن تواجه الجزيرة الصغيرة مصيرًا مشابهًا لأوكرانيا، خاصة بعد توتر العلاقات بين واشنطن وكييف والتراجع الواضح في الدعم الأمريكي للأخيرة في مواجهة روسيا، ووفقًا لصحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، فإن تصرفات الرئيس الأمريكي، الأخيرة مع أوكرانيا أثارت ذعرًا في تايوان.
وفي السياق ذاته؛ قال ديفيد ساكس، الباحث المتخصص في شؤون آسيا بمجلس العلاقات الخارجية: "كانت لحظة هائلة بالنسبة لتايوان" في إشارة إلى المشادة العلنية بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في البيت الأبيض وما تلاها من وقف للمساعدات العسكرية ومشاركة المعلومات الاستخباراتية.
أوكرانيا اليوم وتايوان غدًا
تشترك تايوان وأوكرانيا في وضع مشابه، فكلاهما يعيش تحت تهديد جار قوي يدّعي أحقيته في أراضيهما، وتحيط بتايوان باستمرار السفن الحربية والمقاتلات الصينية، فيما تعتمد الجزيرة بشكل كبير على الدعم الأمريكي كرادع للغزو الصيني، وفي تايوان هناك شعار يقول: "أوكرانيا اليوم، وتايوان غدًا".
وبينما وعد الرئيس السابق جو بايدن بإرسال قوات أمريكية إلى تايوان، حال مهاجمة الصين لها، رفض ترامب الالتزام بحماية الجزيرة، بل وزعم أن تايوان "سرقت" صناعة الرقائق الإلكترونية من أمريكا، وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أشباه الموصلات، التي تشكل حجر الأساس للاقتصاد التايواني.
ويقول تشينج-وي لاي، مهندس أشباه الموصلات المقيم في مدينة هسينشو جنوب تايبيه للصحيفة البريطانية: "يمثل ترامب العزلة، ما يعني أنه يمكن أن يتخلى عن تايوان"، وهو ما دفع الشركات والسياسيين في الجزيرة للتسارع لاسترضاء الرئيس الأمريكي.
محاولات تايوان لاسترضاء ترامب
تعهد الرئيس التايواني لاي تشينج-تيه برفع الإنفاق الدفاعي من 2.5% إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي لتايوان، كما تجري مناقشات حول خطة لزيادة وارداتها من الطاقة الأمريكية بشكل كبير.
ونقلت "ذا تليجراف" عن وكالة الأنباء المركزية، أن تايوان تستعد لشراء المزيد من الطاقة الأمريكية، وأن شركة الطاقة المملوكة للدولة CPC تتفاوض على صفقة مع منتج للغاز في ألاسكا.
وفي الأسبوع الماضي، تعهدت شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات "TSMC" باستثمار 100 مليار دولار لتعزيز قدراتها التصنيعية في الولايات المتحدة، في واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية بتاريخ أمريكا.
وتوضح الصحيفة البريطانية أنه بالرغم أن هذا الاستثمار قوبل بترحيب من الرئيس، إلا أن الكلمات الدافئة لا تضمن الأمن، بل قد يقوض الاستثمار العلاقة العسكرية بين البلدين.
"الدرع السيليكوني" قد يفقد بريقه
تشير "ذا تليجراف" إلى أن تايوان تعد المركز الأساسي لإنتاج أشباه الموصلات المتقدمة في العالم، ونتيجة لذلك، فإن حربًا شاملة على الجزيرة من شأنها أن تهدد بانهيار اقتصادي عالمي، في حين أن هذا التهديد بالدمار الاقتصادي المتبادل وفر ما أطلق عليه المحللون "درعًا سيليكونيًا" - أي أن من مصلحة الولايات المتحدة حماية الجزيرة.
لكن بحسب ما تشير الصحيفة البريطانية، فإنه إذا حصل ترامب على القدرة على صناعة هذه الرقائق في الولايات المتحدة، فقد يفقد كل اهتمامه بحماية تايوان - هذا إن كان لديه أي اهتمام من البداية.
ويخشى التايوانيون من أن يعامل الرئيس الأمريكي الجزيرة ببساطة كورقة مساومة وهو يتطلع إلى صفقة مع الرئيس الصيني شي جين بينج، إذ أثارت الرسوم الجمركية بنسبة 10% التي فرضها على الصين غضب بكين، لكن المراقبين يعتقدون أن ترامب يمهد الطريق للمفاوضات مع ثاني أكبر اقتصاد بالعالم.
تايوان حجر الزاوية في صناعة الرقائق الإلكترونية
تمثل صناعة الرقائق الإلكترونية نحو سدس الناتج المحلي الإجمالي لتايوان، وتستحوذ شركة TSMC على ثلثي جميع عمليات تصنيع الرقائق التعاقدية، وهي أكثر شركة قيمة في شرق آسيا، بقيمة تبلغ نحو 800 مليار دولار.
وأدى تفوق تايوان في إنتاج الرقائق المتقدمة إلى رفع المخاطر في أي تخطيط عسكري حول الجزيرة، فغزو ناجح قد يؤدي إلى استيلاء الصين على أكثر المصانع تقدمًا، ما يقطع إمدادات المكونات الحيوية ويكون له تأثير اقتصادي مدمر.
وفقًا لتحليل أجرته بلومبرج إيكونوميكس، فإن حربًا شاملة ستؤدي إلى محو 10.2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في السنة الأولى، من خلال التأثير المشترك لفقدان إنتاج أشباه الموصلات، والضربة للتجارة العالمية، والصدمة المالية.
ويشير التحليل إلى أن الحرب في تايوان ستكون مكلفة بمقدار ضعف الوباء والأزمة المالية العالمية.