في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، تزايدت الشهادات المروعة حول التعذيب وسوء المعاملة التي يتعرّض لها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، ولا سيما في معسكر عوفر.
معسكر عوفر.. السجن العسكري الذي أُقيم في الضفة الغربية المحتلة، أصبح مركزًا للتنكيل بالأسرى الفلسطينيين، وبينهم العديد من الذين جرى أسرهم خلال حرب 7 أكتوبر.
في تقرير نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية يستعرض شهادات الأسرى الذين عانوا من أساليب تعذيب وحشية، مع غياب أي تحقيقات حقيقية أو اهتمام دولي يعكس حجم المعاناة التي يواجهها هؤلاء.
من سدي تيمان إلى عوفر
في فبراير 2024، أسر جيش الاحتلال الإسرائيلي الفلسطيني رامي، البالغ من العمر 42 عامًا، في مستشفى الشفاء بغزة. ونُقل إلى مركز احتجاز "سدي تيمان" سيئ السمعة، حيث تعرض لانتهاكات مروعة على يد الحراس، لكن تم نقله لاحقًا إلى معسكر عوفر، حيث استمر التعذيب.
في مقابلة مع "972+" و"Local Call"، روى رامي تفاصيل التعذيب، قائلاً: "أجبرونا على الركوع وأيدينا مقيدة من شروق الشمس حتى منتصف الليل، وكانوا يضربوننا يوميًا ويعذبوننا بالصدمات الكهربائية". وأضاف أن هذه المعاملة لم تكن استثنائية بل كانت شائعة لجميع المعتقلين في عوفر.
التعذيب والإذلال اليومي
لم تكن ظروف معسكر عوفر أفضل من تلك في سدي تيمان، بل ربما كانت أسوأ في بعض الجوانب. المحامية نادين أبو عرفة من منظمة "هموكيد" الحقوقية أكدت في تصريح لها أن الأسرى في معسكر عوفر يتعرضون لانتهاكات مشابهة، بما في ذلك الربط بالأصفاد أو السلاسل لمدة 24 ساعة يوميًا، حتى أثناء النوم أو الطعام.
وأوضح العديد من الأسرى أن الوجبات اليومية كانت شحيحة للغاية، حيث اقتصرت على "شرائح من الخبز مع ملعقة صغيرة من المربى أو الجبن"، إضافة إلى سوء التغذية العام.
قانون "المقاتلين غير الشرعيين"
واحدة من القوانين المثيرة للجدل التي تطبقها السلطات الإسرائيلية هي تصنيف الأسرى الفلسطينيين كـ"مقاتلين غير شرعيين"، ما يعني أنهم لا يخضعون لمحاكمات عادلة.
الأسرى في معسكر عوفر يخضعون لإجراء قانوني سريع، غالبًا ما يقتصر على جلسة استماع عبر تطبيق "زووم" تُستغرق دقائق معدودة، حيث يتم اتهامهم بـ"دعم الإرهاب" ويتم تمديد أسرهم لشهور أو حتى نهاية الحرب، وحسب منظمة "هموكيد" ففي ديسمبر 2024، كان عدد هؤلاء الأسرى يبلغ 1772.
التعذيب والقتل في السجون
بينما تعيش أغلب السجون الإسرائيلية تحت وطأة الرقابة القانونية المحلية والدولية، يبدو أن معسكر عوفر يظل بمنأى عن هذه الرقابة. ففي مايو 2024، قُتل أحد المعتقلين في المعسكر على يد الجنود إثر ضربه على رأسه، ما أدى إلى وفاته فورًا.
كما عانى العديد من المعتقلين من التدهور الصحي بسبب الظروف غير الإنسانية، حيث فقد بعضهم أكثر من 40 كيلوجرامًا من وزنهم نتيجة نقص الطعام، وفق "972+".
سوء الظروف الصحية والنظافة
تشير شهادات المعتقلين إلى أن معسكر عوفر يعاني من اكتظاظ شديد، حيث يُحتجز العشرات في زنازين ضيقة، ما يسبب تدهورًا في النظافة الشخصية وانتشار الأمراض الجلدية.
كما يعاني المعتقلون من تقييد اليدين طوال اليوم، حتى أثناء ذهابهم إلى الحمام، ويتم السماح لهم بالاستحمام مرة واحدة كل أسبوع أو حتى أسبوعين، وهو ما يزيد من معاناتهم النفسية والجسدية.
ظروف معيشية غير إنسانية
يوضح المعتقلون أن الأوضاع في معسكر عوفر قاسية للغاية، حيث يُجبر السجناء على الاستلقاء على الأرض طوال اليوم، ويتعرضون للضرب والإهانة على يد الحراس.
وقال أحد المعتقلين في شهادته: "كلما مر الحراس من الممر، علينا الاستلقاء على وجوهنا، وإذا لم نفعل، نُعاقب بالضرب". كما ذكر المعتقلون أن الطعام في المعسكر لا يكاد يفي بمتطلبات التغذية الأساسية، حيث يتم تقديم وجبات فقيرة دون أي مصدر للبروتين، كما يُمنع السجناء من الحصول على مكملات غذائية.
الحرية المفقودة
على الرغم من المعاناة اليومية، لا يزال بعض الأسرى يحلمون بالحرية، إذ يروي المعتقل رفيق، البالغ من العمر 59 عامًا، كيف فقد 43 كيلوجرامًا من وزنه بسبب الظروف القاسية، وأن الأمل الوحيد الذي كان يعيشه هو التفكير في عائلته.
"أحلم برؤية ضوء الشمس ولو لمرة واحدة"، هي جملة قالها أحد المعتقلين، مشيرًا إلى أن لقاء المحامين هو الفرصة الوحيدة له لمغادرة زنزانته. ولكن حتى هذه اللقاءات كانت مشوبة بالعنف، حيث يتم تقييد باقي السجناء في الزنزانة وإجبارهم على الاستلقاء أثناء الزيارة.
رغم محاولات المجتمع الدولي للضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي لتحسين ظروف السجون والأسرى، لا يزال معسكر عوفر يمثل نموذجًا صارخًا لانتهاك حقوق الإنسان، حيث يُحرَم المعتقلون من أبسط حقوقهم الإنسانية.
هذه الشهادات تفضح الواقع المأساوي الذي يعانيه الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا من قبل المنظمات الدولية والمؤسسات القانونية لضمان محاسبة الاحتلال على هذه الانتهاكات المستمرة.