اقتحم الذكاء الاصطناعي عالم الموسيقى بقوة، فبعد أن أُسدل الستار على ظاهرة الهولوجرام وتجسيد مطربي الزمن الجميل على المسرح، طفت على الساحة خلال الفترة الماضية استخدام أصوات الفنانين القدامى في أغنيات المطربين الحديثة، وبعد أن أثار المطرب والملحن عمرو مصطفى الجدل بخصوص استخدام صوت كوكب الشرق أم كلثوم في أحدث أغانيه واعترض أهل الفنانة الراحلة على الأمر، تخطت الظاهرة تلك الحدود وأصبحت تقنية "الذكاء الاصطناعي" في متناول الجميع، وهو ما أدى إلى وضع أصوات مطربي الزمن الجميل على أغان حديثة، فتارة تجد أم كلثوم تغني لـ شيرين عبد الوهاب، وفي أخرى نجد عبد الحليم حافظ يغني لمؤدي مهرجانات، وأخرى تحمل اسم "مخاصماك".
موقع "القاهرة الإخبارية" تواصل مع عدد من الموسيقيين وأعضاء جمعية المؤلفين والملحنين وأقارب الفنانين الراحلين للوقوف على ما يحدث، وما يمكن أن تنتهي إليه تلك الظاهرة، والإجراءات التي يمكن أن تتخذ من أجل التحكم فيما نراه على السوشيال ميديا.
تحديد الملكية
يرى الموسيقار منير الوسيمي أن ظاهرة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى انضباط، وقال لموقع "القاهرة الإخبارية": "يجب أن يكون هناك حدود في استخدام تراثنا الغنائي، وممنوع أن يأخذ أي شخص بصمة صوت مطربي الزمن الجميل إلا بالرجوع إلى المالكين لتلك الحقوق، سواء كانوا الورثة أو شركات إنتاج أو غيرهم".
ونوه "الوسيمي" بكيفية خروج صوت مطربي الزمن الجميل، فالورثة والمالكين لحقوقهم عليهم أن يراجعوا الشكل الذي سيظهر عليه المطرب، وما إذا كان مناسبًا أم لا، وتقاضي أموال مقابل الحصول على صوت المطرب، فالأمر ليس متروكًا لأى شخص كما يحدث حاليًا، ويجب أن نُظهر مطربينا في أفضل صورة.
وأكد "الوسيمي" ضرورة وجود قانون رادع لمثل هذه التجاوزات وتحديد ملكية أصوات مطربينا القدامى، وعلى أبناء هؤلاء النجوم أو أقاربهم أن يتحركوا من أجل حفظ حقوق ذويهم.
تحرك قضائي
وتحدث الشاعر فوزي إبراهيم، أمين عام جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية "الساسيرو" من الزاوية الأدبية للظاهرة، وقال لموقع "القاهرة الإخبارية": "يحق لورثة هؤلاء الفنانين أن يقيموا دعاوى قضائية بسبب إساءة من يقوم بتركيب صوت ذويهم على أغنية أخرى بشكل لا يليق".
وأضاف أنه لا يجب التمثيل بأصوات مطربي الزمن الجميل بهذا الشكل الذي نراه حاليًا، قائلًا: "بصمة الصوت التي نستخدمها لها نفس حرمة التمثيل بجثث الموتى، وعلى الملحنين التي تُستخدَم أغانيهم بأصوات أم كلثوم وعبد الحليم وغيرها أن يشكوا لجمعية المؤلفين والملحنين، ولكن هذا لا يحدث ولا نرى أي تحرك، ويبدو أنهم سعداء أن يتم تقديم أغانيهم بأصوات مطربي الزمن الجميل".
وأكد "إبراهيم" أن من حق أى طرف سواء صاحب الصوت القديم أو الأغنية الجديدة أن يقيموا دعاوى قضائية من أجل الحصول على حقوقهم، مضيفًا: "نستطيع أن نوقف تلك الأغاني ولكن بشرط واحد أن يتم تقديم شكوى رسمية".
التراث باق
"لا نستطيع تقييم الهواة ومن حقهم أن يفعلوا ما يريدون".. هكذا بدأت الناقدة الموسيقية المصرية ياسمين فراج حديثها مع موقع" القاهرة الإخبارية": "الهاوي ليس مرتبطًا بنقابة ولا يستطيع أحد أن يمنعه وهو ليس مسؤولًا، على عكس المحترفين الذين لهم بصمتهم في السوق ونحن قادرون على أن نتناقش معهم ونوجه لهم اللوم، كما أن الذكاء الاصطناعي متاح للجميع، وفي جميع الأحوال التراث سيظل محفوظًا بشكل القديم بوسائل حفظ سمعية وبصرية، ومهما حاولوا تجديده أو تشويهه سيظل باقيًا".
ونوهت "ياسمين" بضرورة ترك هؤلاء الهواة دون أن نلقى الضوء عليهم حتى تنتهى تجربتهم سريعًا: "حينما يجد صانع تلك الأغاني اهتمامًا وضوءًا مسلطًا عليه سيكرر ما يفعله بحثًا عن استمرار الظهور".
العقوبات مهمة
وحول موقف أقارب الفنانين من تلك الظاهرة وخطواتهم للحد منها، تواصلت موقع "القاهرة الإخبارية" مع محمد شبانة، نجل شقيق المطرب الراحل عبدالحليم حافظ، وخصوصًا أن رواد السوشيال ميديا في الآونة الأخيرة يتداولون فيديو للعندليب الأسمر، وهو يغني "مخاصماك" للمطربة نوال عبدالشافي، وكانت هناك تجربة سابقة من خلال وضع صوت العندليب على أغنية للمؤدي الشعبي عصام صاصا.
قال "شبانة": "هذه الظاهرة تحتاج إلى تدخل من المؤسسات المسؤولة لوضع حد لتلك التجاوزات، وعلى سبيل المثال حينما استغل عصام صاصا صوت عبد الحليم، كان على نقابة الموسيقيين أن تأخذ إجراءً ضده سواء وقف تصاريح غنائه وغيرها، فالعقوبات مهمة، مع العلم أنه الصوت لا يشبه عبد الحليم حافظ ولكنه استغل اسمه وصورته".
تابع: "مهما حاولوا لن يستطيعوا أن يصنعوا عبد الحليم حافظ، فالأمر يحتاج لشخص يعرف كيف يستخدم التقنيات المتاحة وموهبة لتجسيد صوته، ومن يستطيع أن يخرجها بصوت عبد الحليم بشكل مضبوط هم المحترفين سواءً موزعين أو ملحنين، وليس مجرد هاوٍ يلعب على السوشيال ميديا، وأنا لا أهتم لكل تجارب الهواة التي تظهر على السوشيال ميديا، وما دام الأمر لا يصل لمطرب أو شركة تتربح من الأمر لا أهتم، فلا نستطيع ملاحقة كل هؤلاء".
واتفق نبيل المرسي والد سناء حفيدة السيدة الراحلة أم كلثوم في الرأي مع نجل شقيق العندليب، قائلًا: "حدث معنا الأمر منذ فترة حينما استخدم الفنان عمرو مصطفى صوت السيدة أم كلثوم في أحدث أغانيه، وقمنا باتخاذ الإجراءات القانونية مع المحامي ورفضنا حتى اعتذر والأمر انتهى، ولن نستطيع أن نحارب كل من يقوم بالذكاء الاصطناعي على السوشيال ميديا من الشباب، ونحن نرفض هذا الأمر بشدة، ومن حقنا أن يعود إلينا كل من يريد استخدام ما يخص السيدة أم كلثوم".