ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمضي قدمًا في تنفيذ خطته لإنهاء الحرب في قطاع غزة، خلال اتصال هاتفي جرى الخميس الماضي، في تحرك أمريكي يستهدف إنهاء حالة الجمود التي أحاطت بالاتفاق خلال الأشهر الماضية، وإطلاق ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تشمل نزع سلاح حركة حماس، ونقل إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية من التكنوقراط، ونشر قوة استقرار دولية.
وجاء الاتصال بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت في 27 أكتوبر الماضي، بعدما تجنبت إدارة ترامب الدفع بتنفيذ الخطة خلال الحملة الانتخابية، خشية تحولها إلى قضية خلافية تؤثر في فرص نتنياهو، الذي حصل على تأييد الرئيس الأمريكي قبل التصويت، فيما يريد البيت الأبيض الآن استئناف تنفيذ المبادرة بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبلة، بحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس" الأمريكي.
ضغوط أمريكية
ودعا ترامب نتنياهو إلى اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ خارطة الطريق الخاصة بغزة، خلال اتصال شارك فيه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ومستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنر، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. ووصف مصدر مطلع المحادثة، التي بادر إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأنها كانت بنّاءة، مشيرًا إلى أنها تناولت أيضًا الحرب مع إيران.
وتمسكت الإدارة الأمريكية باعتبار الخطة المسار الأفضل للتعامل مع مستقبل القطاع، مؤكدة أنه لا يوجد بديل موثوق عنها، فيما أوضح مسؤول أمريكي أن التنفيذ سيكون تدريجيًا، وأن إعادة الإعمار لن تبدأ إلا بعد التحقق من إحراز تقدم ملموس في نزع سلاح حماس.
نزع السلاح
واستندت الخطة إلى المرحلة الأولى من المبادرة الأمريكية المكونة من 20 نقطة، التي توصلت إسرائيل وحماس إلى اتفاق بشأنها قبل عام، وأسفرت عن وقف إطلاق النار وإطلاق سراح آخر 20 أسيرًا إسرائيليًا كانوا على قيد الحياة، ممن احتُجزوا خلال هجمات 7 أكتوبر 2023.
وعمل "مجلس السلام"، الذي تأسس ضمن اتفاق غزة، خلال الأشهر الماضية على إعداد ترتيبات تنفيذ المرحلة التالية، بما يشمل تشكيل حكومة فلسطينية من التكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المدنية في القطاع، وإنشاء قوة استقرار دولية، إلى جانب نزع سلاح الفصائل المسلحة ونزع الطابع العسكري عن غزة.
وكان المجلس قد توصل في يوليو الماضي إلى اتفاق مع حماس بشأن خطة من 15 نقطة لنزع سلاح الجماعات المسلحة ونقل المسؤوليات المدنية والأمنية إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة، لكن حكومة نتنياهو لم تتحرك بصورة جدية لتنفيذها، لأسباب ارتبطت في معظمها بالحسابات السياسية الداخلية.
خلافات إسرائيلية
وأبدى نتنياهو تشككًا كبيرًا في إمكانية تخلي حماس عن أسلحتها، معتبرًا أن الحركة تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية والتسلح مجددًا داخل القطاع، وهو ما دفع حكومته إلى التحفظ على الانتقال إلى ترتيبات أمنية وإدارية جديدة قبل التأكد من نزع سلاح الفصائل.
وسعى جاريد كوشنر، خلال زيارة لإسرائيل في أغسطس الماضي، إلى إقناع نتنياهو بأن حماس أبدت للمرة الأولى استعدادًا للتخلي عن سلاحها، مطالبًا إياه باتخاذ خطوات لاختبار مدى جدية هذا الموقف، فيما واصل مجلس السلام خلال الأشهر الثلاثة الماضية التنسيق مع الحكومة والجيش الإسرائيليين لتعديل تفاصيل الخطة ومعالجة المخاوف المتعلقة بالترتيبات الأمنية ونزع السلاح.
إعادة الإعمار
وكشف مجلس السلام، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، عن خطة أولية للتعافي وإعادة إعمار غزة، بقيمة 2.45 مليار دولار ولمدة ستة أشهر، تتضمن 66 مشروعًا، وتقدم تصورًا تفصيليًا للمراحل الأولى من إعادة بناء القطاع وإقامة نظام حكم جديد بعد الحرب.
وربطت المبادرة بدء إعادة الإعمار بإحراز تقدم يمكن التحقق منه في نزع السلاح، ما يجعل تعاون إسرائيل وحماس شرطًا أساسيًا للانتقال إلى التنفيذ، خصوصًا أن استمرار الخلافات بشأن السيطرة الأمنية ومستقبل الفصائل المسلحة قد يؤدي إلى تعطيل المشروعات الإنسانية والاقتصادية.
وأكد مسؤول أمريكي أن تنفيذ الخطة لن يكون سهلًا، لكنه وصفها بأنها خيار جيد لإسرائيل، مشددًا على أن واشنطن تريد المضي قدمًا بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية، وأن نجاح المبادرة يتطلب شراكة وتعاونًا كاملين من جانبها.
تحركات سياسية
وشهد اليوم التالي للاتصال زيارة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، العضو في مجلس السلام، إلى إسرائيل، حيث التقى نتنياهو وغادي آيزنكوت، المنافس الذي كُلف بمحاولة تشكيل حكومة جديدة بدلًا من حكومة رئيس الوزراء الحالي، في وقت سعى فيه بلير إلى إقناع القيادات السياسية الإسرائيلية بمنح المبادرة الأمريكية فرصة للتنفيذ.
وعكست هذه التحركات رغبة إدارة ترامب في فصل مستقبل اتفاق غزة عن التجاذبات السياسية الإسرائيلية، والضغط على مختلف الأطراف للانتقال إلى المرحلة التالية، لكن نجاح الخطة سيظل مرهونًا بموقف الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ومدى استعداد حماس للتخلي عن سلاحها، وقدرة الوسطاء الدوليين على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية وإدارية قابلة للتطبيق.