أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا هاتفيًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لبحث مسار المفاوضات الأمريكية مع إيران والخيارات العسكرية المطروحة حال تعثّر التوصل إلى اتفاق، وسط تباين في مواقف الجانبين بشأن توقيت استئناف العمليات القتالية، إذ تضغط تل أبيب لتنفيذ ضربات جديدة فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بينما يُفضّل البيت الأبيض منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية قبل اتخاذ قرار بالتصعيد.
وكشفت مصادر أمريكية وإسرائيلية مطلعة أن الاتصال اتسم بالصراحة والحسم، ووصفه مصدر إسرائيلي بأنه كان "صعبًا"، فيما اعتبره مصدر أمريكي "مباشرًا"، في ظل مخاوف نتنياهو من أن يؤدي استمرار المفاوضات إلى إطالة أمد التهدئة، ومنح طهران فرصة لإعادة ترتيب قدراتها النووية والعسكرية، بحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس" الأمريكي، نقلًا عن الصحفي باراك رافيد.
خلاف التوقيت
تمسك نتنياهو بضرورة التحرك العسكري ضد إيران في أقرب وقت بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، المقررة 3 نوفمبر الجاري، في حين أبدى ترامب رغبة في انتظار نتائج الاتصالات الدبلوماسية الجارية، وإتاحة المجال أمام استئناف المفاوضات، رغم استمرار استعداد القوات الأمريكية لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة إذا صدر القرار الرئاسي بذلك.
وعكس الاتصال استمرار الخلاف في تقدير الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، إذ ترى الحكومة الإسرائيلية أن تأجيل الضربات قد يمنح إيران مساحة لتعزيز مواقعها النووية والعسكرية، بينما يسعى ترامب إلى الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي من جهة، ومحاولة التوصل إلى اتفاق من جهة أخرى، دون الالتزام حتى الآن بموعد محدد لاستئناف الحرب.
مساران متوازيان
واصل ترامب اتباع سياسة تجمع بين التفاوض والاستعداد العسكري، على غرار النهج الذي اتبعه قبل عمليتي "مطرقة منتصف الليل"، يونيو 2025 و"الغضب الملحمي" فبراير 2026، إذ تسعى إدارته إلى إعادة إطلاق محادثات السلام مع طهران، بالتزامن مع إعداد خطط لاستئناف العمليات القتالية الكبرى إذا لم تحقق الاتصالات نتائج ملموسة.
وفي السياق ذاته، بعث نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الأسبوع الماضي، رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، تناولت إمكان استئناف المفاوضات، في أعلى مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ عدة أشهر، بينما قال ترامب للصحفيين، السبت، إن المحادثات تسير بصورة جيدة، مؤكدًا أنه ليس في عجلة من أمره للتوصل إلى اتفاق.
وأبدى الرئيس الأمريكي تشككًا في موثوقية الموقف الإيراني، معتبرًا أن طهران قد توافق على اتفاق ثم تتراجع عنه، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى التعامل مع منشأة أو اثنتين من المواقع النووية الإيرانية، ما يعكس استمرار حضور الخيارات العسكرية ضمن حسابات الإدارة الأمريكية.
جبل الفأس
كشف ترامب أن الخطط العسكرية الأمريكية تتضمن استهداف مواقع نووية إيرانية، مشيرًا بصورة خاصة إلى موقع "جبل الفأس"، الذي يُشتبه في أنه منشأة نووية محصنة داخل جبل، وقال إن القوات الأمريكية تستطيع تنفيذ العملية خلال وقت قصير، مضيفًا: "يمكننا فعل ذلك خلال 10 دقائق، ولدينا خطة جاهزة".
وعكست تصريحات ترامب احتفاظ واشنطن بخيارات عسكرية تستهدف ما تعتبره منشآت نووية لم تُحسم مسألة تدميرها خلال العمليات السابقة، رغم استمرار المفاوضات، كما أظهرت أن الحديث عن العودة إلى الدبلوماسية لا يعني تخلي الإدارة الأمريكية عن خطط توجيه ضربات إضافية، إذا رأت أن الاتفاق المرتقب لا يعالج مخاوفها النووية.
وساطة قطرية
تحركت قطر لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، إذ عقد وسطاء قطريون اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين، الأحد، لليوم الثالث على التوالي، في محاولة للتوصل إلى تفاهم يسمح باستئناف المفاوضات المباشرة بين الطرفين، بعد أشهر من تعثر الاتصالات وتصاعد المواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية.
وفي المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق حتى الآن، مشددًا على أن نجاح المساعي الدبلوماسية يتوقف على تقديم الولايات المتحدة إجابات عن التساؤلات الإيرانية. وقال إن طهران تبذل كل ما في وسعها لإنجاح الجهود، معربًا عن أمله في أن يُظهر الطرف الآخر قدرًا كافيًا من العقلانية لاختيار الدبلوماسية بدلًا من الخيارات الأخرى.
وعكست هذه التحركات استمرار التباين بشأن مستقبل المواجهة، إذ تسعى واشنطن إلى استثمار الضغوط العسكرية والاقتصادية للحصول على تنازلات نووية، بينما تطالب طهران بتوضيحات وضمانات قبل العودة إلى المفاوضات، في حين تضغط إسرائيل لتسريع التحرك العسكري، ما يجعل الأيام التالية للانتخابات الأمريكية محطة حاسمة في تحديد "ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو تسوية تفاوضية أم جولة جديدة من الضربات العسكرية؟".