الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

علامة تجارية وبث تليفزيوني.. قضية مانشستر سيتي "الشائكة" تهدد البريميرليج

  • مشاركة :
post-title
مانشستر سيتي - أرشيفية

القاهرة الإخبارية - مجدي عبد الله

يواجه الدوري الإنجليزي الممتاز "بريميرليج" تحديات صادمة خلال المرحلة المقبلة، في ظل أزمة مانشستر سيتي الشائكة التي شهدتها الأيام الماضية.

وتلقى نادي مانشستر سيتي اتهامات بالتلاعب في الحزمة المالية الخاصة بالنادي في 114 من أصل 115 قضية، ما يضع علامات استفهام حول إمكانية هبوطه إلى الدرجات الأدنى أو الاكتفاء بخصم بعض النقاط.

وتقدم نادي مانشستر سيتي باستئناف ضد رابطة الدوري الإنجليزي، مؤكدًا أنه بريء تمامًا من التهم المنسوبة إليه.

مانشستر سيتي صاحب بداية الطفرة

في صيف عام 2012، كان ريتشارد سكودامور، الرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز، في قمة الرضا؛ فقد بيعت حزم حقوق البث التلفزيوني المحلي لثلاثة مواسم -من 2013-2014 إلى 2015-2016- مقابل ما يزيد قليلًا على 3 مليارات جنيه إسترليني، وبدا أن الأندية العشرين في دوري الأضواء الإنجليزي مقبلة على تحقيق إيرادات قياسية.

مثّل هذا الاتفاق زيادة بنسبة 70% مقارنة بالاتفاق السابق، وكان لدى سكودامور تفسير لما دفع شبكتي "سكاي سبورتس" و"بي تي سبورت" لضخ هذه الأموال الطائلة.

وقال سكودامور للصحفيين عند إعلانه عن هذه الأرقام المذهلة: "لقد خرجنا للتو من موسم رائع، وكان ذلك في صالحنا، لقد طرحنا الحقوق في السوق في الوقت المناسب تمامًا".

جاء ذلك "الوقت المناسب" بعد شهر واحد من النهاية الدرامية المذهلة لموسم الدوري الإنجليزي الممتاز؛ إذ ظن مانشستر يونايتد أنه حسم لقبه العشرين، لكن الجار "المزعج" -مانشستر سيتي- تدخل ليخطف اللقب في اللحظات الأخيرة، مسجلًا هدفين في الوقت بدل الضائع ليحقق الفوز بنتيجة 3-2 على كوينز بارك رينجرز في الجولة الختامية.

ويُعد هدف سيرخيو أجويرو، بلا شك، اللحظة الأهم في مسيرة تطور العلامة التجارية للدوري الإنجليزي الممتاز وقيمته التجارية؛ فقد كانت قصة تجسد كل ما تطمح إليه المسابقة.

ولا تزال تلك اللحظة تمثل ذروة الدراما في تاريخ الدوري، وهي اللحظة التي ساهمت في تعزيز الإيرادات، وزيادة أعداد المتابعين، ودفع عجلة النمو على المستوى الدولي، لكن خلف كل ذلك تبرز اليوم حقيقة مزعجة.

هدف سيرخيو أجويرو في عام 2012 يُعد أحد المشاهد الأيقونية في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز. لقد تبين أن النادي الذي ساهم في صياغة الصورة العالمية للدوري الإنجليزي الممتاز ومكانته -من خلال بناء فرق مذهلة تحت قيادة روبرتو مانشيني ثم بيب جوارديولا- قد حقق ذلك بطرق غير مشروعة. قد يغير الاستئناف كل شيء أو لا يغير شيئًا، لكن الاستنتاجات الأولية تشير إلى أن النادي الأكثر نجاحًا في الدوري خلال السنوات الخمس عشرة الماضية قد تلاعب بالقواعد المالية بشكل "منهجي" لخدمة مصالحه.

إن إدانة نادي مانشستر سيتي في معظم التهم الموجهة إليه من قبل الدوري الإنجليزي الممتاز -والتي يبلغ عددها 115 تهمة- ألقت بظلالها القاتمة على منتج رياضي يدفع أصحاب حقوق البث، محليًا ودوليًا، أكثر من 3 مليارات جنيه إسترليني (ما يزيد على 4 مليارات دولار) سنويًا لنقله.

وقد تُضاف علامات استفهام إلى سجل الألقاب التي حققها مانشستر سيتي بين عامي 2010 و2019 إذا فشل النادي في استئنافه، وفي هذا الموسم، حقق الفريق الفوز في سبع من مبارياته الثماني الأولى في الدوري تحت قيادة إنزو ماريسكا -خليفة جوارديولا-، لكن فرض عقوبات قاسية قد يجعل كل هذه الإنجازات بلا قيمة مع مطلع العام الجديد.

تهديد للعلامة التجارية

يقول مدير تجاري سابق في أحد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز البارزة، في تصريحات نقلها موقع "ذا أتلتيك" البريطاني: "هناك خطر حقيقي من أن يصبح الأمر ضارًا الآن؛ فقد كانت مباراة ليفربول (التي انتهت بفوز سيتي 3-0 في ملعب أنفيلد، وهي أول مباراة خاضها الفريق بعد ظهور أنباء الإدانة) هي المرة الأولى التي يواجه فيها الجميع هذا الواقع بشكل مباشر".

وأضاف: "ما لم تُحل هذه القضية، فلن يكون لها سوى أثر واحد: جعل المنافسة تفتقر إلى اليقين. فبصفتك مشجعًا، يجب أن تؤمن بأن لكل مباراة عواقبها؛ وإذا ترسخ شعور بأن المباريات لا تحمل أي عواقب، فإن قيمتها تتبدد تمامًا".

ستكون هناك رهانات كبيرة عندما يُنظر في الاستئناف المقدم ضد قرار اللجنة المستقلة خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. تعتمد صورة نادي مانشستر سيتي كقوة مهيمنة في كرة القدم الحديثة على نتيجة هذه القضية، لكن الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليج) يحتاج أيضًا إلى تسوية سريعة ومرضية.

منتج تليفزيوني

لقد عملت هذه البطولة، التي تأسست عام 1992، تدريجيًا على التفوق على منافساتها الأوروبية، من خلال تطوير منتج تلفزيوني يُبث إلى ما يقرب من 200 دولة حول العالم. كما حافظ نموذجها القائم على التوزيع المالي المتساوي على قدر من التوازن التنافسي؛ وهو ما سمح -كما أكدت فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة مجددًا- لكل نادٍ مشارك فيها بأن يحقق نتائج تفوق حجمه الطبيعي.

ولا تكاد أي بطولة أخرى تضاهي العلامة التجارية للدوري الإنجليزي الممتاز على مستوى الأندية سوى دوري أبطال أوروبا، البطولة الأبرز تحت مظلة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)؛ إلا أن الأخيرة تفتقر إلى ميزة تقديم مباريات منتظمة أسبوعيًا طوال الموسم.

وقد خلصت دراسة حديثة أجرتها شركة "براند فاينانس"، وهي شركة بريطانية رائدة متخصصة في قياس القيمة التجارية للعلامات التجارية، إلى أن 18 ناديًا من الدوري الإنجليزي الممتاز ضمن قائمة الأندية الخمسين الأكثر قيمة في العالم، بقيمة إجمالية للعلامات التجارية بلغت 8.5 مليار جنيه إسترليني، وهو ما يمثل نحو 40 في المئة من إجمالي قيمة القائمة.

تضمنت دراسة "فوتبول 50 لعام 2026" أيضًا خمسة أندية من الدوري الإنجليزي الممتاز (أرسنال، ومانشستر سيتي، ومانشستر يونايتد، وليفربول، وتشيلسي) ضمن قائمة الأندية العشرة الأوائل.

وقال سكوت مور، رئيس الخدمات الرياضية في شركة "براند فاينانس"، إن إحدى أكبر نقاط قوة الدوري الإنجليزي الممتاز تمثلت في أن جاذبيته العالمية لا تعتمد على نادٍ أو ناديين فقط. فهذا التنوع يمنحه ميزة كبيرة مقارنة بالدوريات المنافسة، إذ يمتلك عددًا من الأندية القادرة على جذب جماهير غفيرة من مختلف أنحاء العالم.

وأكمل: "عندما ننظر إلى العوامل التي تدفع الناس إحصائيًا لمتابعة أي دوري، نجد أن أهم ثلاثة عوامل هي: شغف الجماهير، ومستوى التنافسية، والسمعة. وقد أمضى الدوري الإنجليزي الممتاز أكثر من 30 عامًا في تعزيز هذه الجوانب الثلاثة، وما تغير اليوم هو أن الجماهير في الخارج لم تعد تكتفي بمتابعة نادٍ بعينه، بل أصبحت تتابع المنافسة ككل؛ وهو أصل أكثر قيمة واستدامة من أي فريق منفرد".

ورغم أن وتيرة نمو الدوري الإنجليزي الممتاز ربما تباطأت في دورات البث الأخيرة، فإنه لا يزال يتصدر السوق بوضوح. فقد ارتفعت عوائد البث التلفزيوني الموزعة على الأندية من 1.59 مليار جنيه إسترليني في موسم 2015-2016 إلى ما يقدر بنحو 3.15 مليار جنيه إسترليني في الموسم الماضي، بينما قفزت قيمة الصفقات التجارية المركزية من 90 مليون جنيه إسترليني إلى 230 مليون جنيه إسترليني خلال الفترة نفسها.

تسعى الشركات -سواء في قطاع البث أو الرعاية- إلى أن تكون جزءًا من قصة الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن حالة عدم اليقين المحيطة بنادي مانشستر سيتي باتت تضع عقبات في طريق كان يتسم سابقًا بالسلاسة. فبينما يظل "المنتج" الرياضي كما هو، فقد غاب الوضوح -على الأقل على المدى القصير-؛ إذ قد لا يكون النادي الذي يجمع أكبر عدد من النقاط في مبارياته الـ38 هذا الموسم هو الفائز باللقب بالضرورة.

إمكانية بيع السيتي

يتساءل أحد الشخصيات البارزة في القطاع التجاري، ممن أبرموا شراكات مع أندية النخبة في الدوري الإنجليزي الممتاز: "وجود علامات استفهام حول النتائج ليس أمرًا جيدًا للعلامة التجارية، ولكن ما البديل؟".

واستطرد: "إذا نجح الدوري الإنجليزي الممتاز في حسم هذه القضية، فيمكن القول إن الأمر استغرق وقتًا طويلًا وفي ظل ظروف معقدة، لكنهم أثبتوا بوضوح أن الأندية التي تخالف القواعد ستواجه العقاب".

وأردف: "لا أعتقد أن هذا الأمر سيؤدي إلى نفور الجماهير من متابعة المواسم المقبلة على الإطلاق. يكمن الاختبار الحقيقي لعلامة الدوري الإنجليزي الممتاز التجارية في ضمان إنجاز عملية الاستئناف هذه في إطار زمني سريع نسبيًا، ومن ثم تطبيق أي عقوبات قد تترتب على ذلك. فإذا وصلنا إلى نهاية الموسم ولا تزال الأمور غامضة، فإن سمعة الدوري ستبدأ بالتضرر".

هذه الأفكار تدور في أذهان العديد من المسؤولين التنفيذيين في أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، فالدخل المالي يعتمد بشكل كبير على الاهتمام العالمي بالمسابقة التي يديرونها بشكل جماعي، وهناك قلق مستمر من أن تطول هذه القضية وتستمر لفترة طويلة، لا سيما في ظل إصرار نادي مانشستر سيتي على موقفه وتحديه المستمر.

فيما قال مسؤول تنفيذي تجاري سابق في أحد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز: "ستأتي لحظة -وقد تكون قريبة جدًا- إذا لم يقبل مانشستر سيتي العقوبة بعد فشل استئنافه، حيث يمكن للأندية الأخرى أن تتخذ قرارًا باستبعاده".

وتابع: "هذا هو الخيار الأقصى لحماية العلامة التجارية للدوري؛ فلا يمكن أن يستمر هذا الوضع لثلاث أو أربع سنوات. وهناك توجه لدى عدد كافٍ من الأندية لاتخاذ هذا الإجراء إذا لزم الأمر".

لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب أن يحدث قبل أن يصل الدوري الإنجليزي الممتاز إلى هذه المرحلة، فعملية الاستئناف، التي أطلقها مانشستر سيتي مع تأكيده المستمر على براءته، لا يُتوقع أن تُحسم قبل أوائل عام 2027.

وبحلول ذلك الوقت، قد نكون شهدنا عشرات المباريات بحجم مواجهة ليفربول. كما أن أي عقوبات تُفرض ستؤثر حتمًا على مصداقية الدوري الإنجليزي الممتاز.

وأُدين مانشستر سيتي بارتكاب "مدفوعات وهمية"، وتضخيم إيراداته بشكل مصطنع، وخفض تكاليفه بأكثر من 900 مليون جنيه إسترليني.

وأوضح مور، من شركة "براند فاينانس": "هناك فرق بين نادٍ يواجه إجراءات تنظيمية، وبين كيفية تعامل المسابقة مع هذه الإجراءات. نادرًا ما تتضرر الدوريات بسبب اكتشاف مشكلة ما؛ بل يلحق الضرر بها عندما تبدو عاجزة عن حل تلك المشكلة".

واستكمل: "إن اتباع عملية واضحة ومتسقة وفي الوقت المناسب من شأنه تعزيز الثقة في حوكمة الدوري الإنجليزي الممتاز، أما استمرار حالة عدم اليقين لفترة طويلة، فهو الخطر الأكبر. هذا لا يعني أن القضية ستؤثر فورًا على الأداء التجاري للدوري؛ فالدوري الإنجليزي الممتاز يتمتع بقاعدة جماهيرية دولية قوية للغاية، إلى جانب علاقات راسخة مع جهات البث والرعاة".

لكن المخاوف المتعلقة بالسمعة قد تتفاقم بمرور الوقت، ويكمن الخطر طويل الأمد في احتمالية أن تبدأ التساؤلات حول النزاهة في التأثير على نظرة الجماهير والشركاء التجاريين للمنافسة.

أما تخيل موسم في الدوري الإنجليزي الممتاز دون مشاركة مانشستر سيتي، فهو أمر يفتح بابًا لنقاش من نوع آخر تمامًا.

فالنادي الذي توج باللقب في ستة مواسم من أصل سبعة بين عامي 2017-2018 و2023-2024، ظل عنصرًا ثابتًا ضمن المراكز الأربعة الأولى في جدول الترتيب منذ عام 2011؛ وهو العام الذي حجز فيه مقعدًا في دوري أبطال أوروبا، ولم يتخلَّ عنه منذ ذلك الحين.

كما يضم مانشستر سيتي في صفوفه حاليًا إيرلينج هالاند، الذي يُعد الاسم الأبرز في الدوري الإنجليزي الممتاز، وعادةً ما يكون النادي طرفًا في أكثر المباريات ترقبًا خلال الموسم. لذا، فإن خصم نقاط قد يؤدي إلى الهبوط، وهو ما يعني غياب أحد الأندية التي طالما كانت تنافس بقوة على اللقب.

إن خصم النقاط الذي قد يؤدي إلى الهبوط من شأنه أن يُقصي أحد الأندية التي ساهمت في جذب اهتمام دولي للدوري الإنجليزي الممتاز، وذلك منذ تلك اللحظة الحاسمة والمدوية التي صنعها أجويرو قبل أكثر من 14 عامًا.

رد حاسم

وأشار مور: "من وجهة نظري، الخطر الأكبر الذي يواجه الدوري الإنجليزي الممتاز ليس فقدان مانشستر سيتي، بل فقدان الانطباع بأن المنافسة عادلة وأن اللقب متاح فعليًا للجميع. تستند العلامة التجارية للدوري إلى التنافسية؛ لذا فإن الحفاظ على هذا الانطباع أهم من أي نادٍ بعينه".

فيما كان أحد المسؤولين التنفيذيين السابقين في نادٍ بارز بالدوري الإنجليزي الممتاز أكثر صراحة، إذ قال لموقع "ذا أتلتيك": "لن يتأثر الدوري الإنجليزي الممتاز بغياب مانشستر سيتي، خاصة إذا ارتبط اسم النادي بالاحتيال؛ فهذا أمر لا يبدو جيدًا على الإطلاق".

قد لا يعتمد نجاح الدوري الإنجليزي الممتاز على مانشستر سيتي، لكن الحاجة إلى التوصل إلى حل أصبحت ملحة للغاية؛ فقيمته على المدى الطويل تعتمد على ذلك.