تمسكت قوى المعارضة الإسرائيلية بمحاولة تشكيل الحكومة المقبلة، بعدما أظهرت النتائج الجزئية لانتخابات الكنيست تقدم معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مقابل مكاسب تاريخية متوقعة للأحزاب العربية التي قد تصبح صاحبة الكلمة الحاسمة في تحديد هوية الحكومة الجديدة، وسط استمرار الغموض بشأن قدرة أي من المعسكرين على حشد أغلبية برلمانية تسمح له بتولي السلطة.
وأظهرت النتائج التي أعلنتها اللجنة المركزية للانتخابات، بعد فرز 76.8% من الأصوات بحلول صباح اليوم الأربعاء، حصول معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا مقابل 47 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة جادي آيزنكوت، بينما أشارت التوقعات إلى إمكان حصول الأحزاب العربية مجتمعة على 19 مقعدًا، بينها 13 للقائمة المشتركة وستة لحزب "راعم"، في تحول قد يمنحها نفوذًا غير مسبوق في مفاوضات تشكيل الحكومة، بحسب تقارير نشرتها صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
مفتاح السلطة
أكد رئيس القائمة المشتركة، يوسف جبارين، أن أي حزب يسعى إلى استبدال حكومة نتنياهو سيتعين عليه التواصل مع قائمته، معتبرًا أن النتائج الأولية أثبتت أن الأحزاب العربية أصبحت قوة سياسية لا يمكن تجاهلها، وقال في تصريحات للقناة 13 الإسرائيلية إن تشكيل بديل حقيقي لحكومة نتنياهو يتطلب شراكة يهودية عربية، بدلًا من استمرار ما وصفه بالعنصرية والإقصاء والهيمنة.
وأضاف جبارين، في تصريحات لموقع "واي نت"، أن حزبه مستعد لاستخدام قوته السياسية لتمهيد الطريق لإسقاط حكومة نتنياهو، بجانب وزيري المالية بتسلئيل سموتريتش والأمن القومي إيتمار بن جفير، مؤكدًا أن الأحزاب العربية ستسعى إلى تحويل نتائجها الانتخابية لنفوذ مؤثر في القرارات السياسية، مع التركيز على قضايا العنف والجريمة وهدم المنازل العربية والتمييز داخل المجتمع الإسرائيلي.
وعكست هذه التصريحات إدراكًا متزايدًا لدى المعارضة لأهمية أصوات الأحزاب العربية، إذ لا يبدو أن معسكر آيزنكوت، الذي يضم حزب "ياشار" وحزب "معًا" بقيادة نفتالي بينيت وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيجدور ليبرمان وحزب الديمقراطيين بقيادة يائير جولان، قادر على ضمان أغلبية برلمانية دون دعم عربي، سواء من خلال المشاركة المباشرة في الحكومة أو عبر دعمها من خارج الائتلاف.
خطاب آيزنكوت
تمسك آيزنكوت، في كلمة ألقاها أمام أنصاره بمقر حزبه في تل أبيب عقب إعلان استطلاعات الخروج، باعتقاده أن الناخبين اختاروا التغيير ورفضوا استمرار نتنياهو في السلطة، مؤكدًا أن الائتلاف الحاكم فقد ثقة الجمهور، وداعيًا رئيس الوزراء إلى تحمل مسؤولية النتائج والانسحاب من الحياة السياسية، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن استطلاعات الخروج لا تمثل النتائج النهائية وأن الحسم يتطلب انتظار اكتمال الفرز.
وقال زعيم حزب "ياشار" إن ملايين الإسرائيليين سئموا، بحسب تعبيره، ثقافة الأكاذيب والإخفاقات والانقسام والتحريض، وتعهد ببذل كل ما في وسعه لتشكيل حكومة صهيونية مستقرة تفرض الخدمة العسكرية أو الوطنية على الجميع، وتعمل على تفكيك حركة حماس، وتحترم مختلف مكونات المجتمع، معتبرًا أن مهمته لا تتمثل في هزيمة معسكر سياسي لمصلحة آخر، بل في إعادة توحيد المجتمع الإسرائيلي.
ووجّه آيزنكوت رسالة مباشرة إلى قادة الأجهزة الأمنية والخدمة المدنية، داعيًا إياهم إلى الالتزام بمصالح الدولة والمواطنين وعدم الخضوع لأي ضغوط سياسية، محذرًا نتنياهو من استخدام الملفات الأمنية لتحقيق مكاسب انتخابية أو الحفاظ على موقعه، كما شدد على ضرورة التحرك سريعًا لتشكيل الحكومة، معتبرًا أن إجراء انتخابات جديدة بعد المشاركة المرتفعة سيكون خطأ سياسيًا.
أصوات مؤجلة
أرجأت اللجنة المركزية للانتخابات حسم جزء مهم من النتائج، بسبب بطاقات الاقتراع المعروفة باسم "الأظرف المزدوجة"، التي تشمل أصوات جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي والدبلوماسيين والعاملين في بعض القطاعات الطبية والسجناء والناخبين الذين صوتوا خارج مراكزهم المخصصة، إذ قد يستمر فرز هذه الأصوات حتى الجمعة، وفق التقديرات الواردة في التقرير.
وقدرت اللجنة عدد هذه البطاقات بنحو 600 ألف بطاقة، بزيادة ملحوظة مقارنة بانتخابات عام 2022، فيما يُقدر أن المقعد الواحد في الكنيست يحتاج إلى نحو 40 ألف صوت، ما يجعل هذه الأصوات قادرة على التأثير في التوزيع النهائي للمقاعد وتغيير حسابات الائتلافات، خصوصًا مع تقارب المعسكرات السياسية وعدم امتلاك أي منها أغلبية واضحة.
وأظهرت التجارب الانتخابية السابقة أن أصوات الجنود تميل عادة إلى الابتعاد عن الأحزاب العربية والحريدية، لكن ارتفاع أعداد جنود الاحتياط المشاركين في الخدمة، خلال الحرب الحالية جعل تقدير اتجاهات التصويت أكثر صعوبة، في حين أشارت صحيفة "جلوبس" الاقتصادية إلى احتمال تراجع عدد المقاعد النهائية للأحزاب العربية بعد استكمال فرز الأظرف المزدوجة، رغم التوقعات الأولية التي منحتها تمثيلًا قياسيًا.
صراع الائتلاف
واجه نتنياهو ضغوطًا من حلفائه اليمينيين والمتشددين دينيًا لعدم تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، إذ حذر بن جفير من أن استبعاد حزبه لمصلحة قوى أكثر اعتدالًا سيكون خطأ كبيرًا، بينما تمسك سموتريتش باستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، وأعلن تأييده إقامة مستوطنات يهودية في قطاع غزة، في مواقف تعكس حجم التباين بين مطالب اليمين المتطرف وخيارات المعارضة المحتملة.
وفي المقابل، أبدى حزب الديمقراطيين بقيادة جولان استعدادًا للتعاون مع مختلف الشركاء، بما يشمل حزب "راعم"، بينما استبعد بينيت ولابيد تشكيل حكومة تضم الأحزاب العربية، وهو ما ضيق الخيارات المتاحة أمام معسكر المعارضة، إذ قد يضطر بعض قادته إلى مراجعة تعهداتهم الانتخابية أو البحث عن ترتيبات دعم برلماني من خارج الحكومة لتجاوز عتبة الأغلبية.
وعلى الجانب الحريدي، تمسك حزب "يهدوت هتوراه" برفض فرض الخدمة العسكرية على طلاب المدارس الدينية، مؤكدًا أن ناخبيه منحوا ثقتهم للقيادات الدينية التي تعارض التجنيد الإلزامي، فيما امتنع رئيس حزب شاس أرييه درعي عن إعلان موقف نهائي عقب استطلاعات توقعت تراجع تمثيل حزبه إلى ستة أو سبعة مقاعد، مقارنة بـ11 مقعدًا في الكنيست المنتهية ولايته.
وأظهرت هذه التطورات أن نتائج الانتخابات لن تحسم وحدها هوية رئيس الوزراء المقبل، بل ستتوقف على قدرة الأحزاب على التوصل إلى تسويات بشأن التجنيد والملفات الأمنية ومستقبل الاستيطان والعلاقة مع الأحزاب العربية، في وقت يسعى فيه آيزنكوت إلى تحويل تقدم المعارضة في بعض استطلاعات الخروج إلى أغلبية حاكمة، بينما يتمسك نتنياهو بتشكيل حكومة يمينية جديدة، وتنتظر جميع الأطراف اكتمال فرز الأصوات قبل بدء مفاوضات الائتلاف بصورة رسمية.