تحل اليوم ذكرى رحيل عميد الأدب العربي طه حسين، الذي غاب جسداً وبقي أثره ممتداً في وجدان الثقافة العربية. وبهذه المناسبة، نستعيد واحدة من أبرز محطاته العربية، رحلته إلى المغرب عام 1958، التي لم تكن مجرد زيارة ثقافية عابرة لإلقاء المحاضرات، بل كانت لقاءً بين قامات الفكر، واحتفاءً بأديب حمل أسئلة الأدب العربي إلى آفاق العالم.
منذ لحظة وصوله الأولى، استقبل المغاربة طه حسين بحفاوة استثنائية تليق بمكانته، وتصدرت أخباره الصفحات الثقافية، قبل أن تتوج زيارته بلقاء الملك محمد الخامس، الذي منحه وسام الكفاءة الفكرية، تكريماً يعكس قيمته الأدبية والعلمية.
وعلى مدار أسبوعين، تنقل عميد الأدب بين المدن المغربية، مقدماً أربع محاضرات حول تاريخ الأدب العربي وتحدياته، مستعيداً صفحات من علاقته بالحضارة العربية وامتدادها الإنساني، وموثقاً انطباعاته عن المغرب في مقاله الشهير "أرض البطولة".
بداية الرحلة
في 20 يونيو 1958، أعلنت وسائل الإعلام المصرية والمغربية أن طه حسين سيزور المغرب بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية المغربية، لإلقاء سلسلة من المحاضرات في عدد من المدن، و24 يونيو من العام نفسه، وصل إلى طنجة رفقة زوجته سوزان.
لقاء الملك
في صباح الخميس 26 يونيو 1958، التقى طه حسين الملك محمد الخامس، بحضور الوزير الأول المغربي أحمد بلافريج.
ورحب الملك بالعميد، وفقًا لما نشرته تقارير صحفية، قائلًا: "إننا نرحب في شخصكم بعالم من أعلام الفكر العربي في العصر الحاضر، والمغرب متشرف بزيارتكم التي كان يتمناها منذ أمد طويل لمشاهدة ما بُذل من جهود في سبل البناء والانبعاث".
وجاء رد طه حسين محملًا بالتقدير لتجربة الملك في قيادة نضال التحرير المغربي، إذ أعرب عن تأثره بالمقابلة، مشيدًا بما قدمه محمد الخامس من تضحيات وما تحمله من مشاق في سبيل إسعاد الشعب المغربي.
وتحول اللقاء إلى لحظة فارقة في مسار الزيارة، عندما قلّد الملك طه حسين وسام الكفاية الفكرية، الذي خُصص لتكريم العلماء والأدباء ذوي الكفاءة، وكان من أبرز الأوسمة المغربية. وتشير الرواية الواردة في النص إلى أن العميد كان أول من ناله بعد الاستقلال.
أربع محاضرات
لم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية، بل امتدت إلى برنامج ثقافي تنقل خلاله طه حسين بين الرباط والدار البيضاء وفاس وتطوان، مقدمًا أربع محاضرات ناقشت قضايا الأدب العربي وموقعه في العالم، وتاريخه في مصر، والتحولات التي مر بها بعد ظهور الإسلام، وصولًا إلى مشكلاته في العصر الحديث.
وكانت البداية في الرباط، الخميس 26 يونيو 1958، بمحاضرة حملت عنوان "الأدب العربي ومكانته بين الآداب العالمية"، تناول فيها العميد الفجوة بين تقدم العالم الحديث وما وصل إليه العرب، مستعيدًا في الوقت نفسه المكانة التي احتلها الأدب العربي خلال ازدهار الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى.
ورأى طه حسين أن الأدب العربي لم يكن يومًا معزولًا عن الآداب الأخرى، بل تفاعل معها، فأخذ منها وأعطاها، وتأثر بها وأثر فيها، وأسهم في تمهيد الطريق أمام الأوروبيين لبناء حضارتهم الجديدة.
الأدب في مصر
وفي الاثنين 30 يونيو 1958، انتقل العميد إلى الدار البيضاء لإلقاء محاضرته الثانية بعنوان "الأدب العربي في مصر قديمًا وحديثًا"، التي تناول فيها مسار الأدب المصري في العصر الحديث، متوقفًا عند قدوم الفرنسيين إلى مصر أواخر القرن الثامن عشر.
وسعى من خلال المحاضرة إلى قراءة الظروف التاريخية التي أحاطت بالأدب العربي في مصر، وكيف انعكست التحولات السياسية والثقافية على تطوره، في إطار رؤيته الأوسع لمسيرة الأدب العربي وموقعه بين آداب الأمم.
منبر فاس
أما المحطة الثالثة، فكانت في مدينة فاس، 3 يوليو 1958، إذ ألقى طه حسين محاضرته عن "مشكلات الأدب العربي".
واستهل العميد حديثه بتحية علماء فاس، مستحضرًا المكانة التاريخية للمدينة بوصفها أحد مراكز العلم والحضارة والتراث العربي والإسلامي، ومشيرًا إلى صعوبة أن يضيف المحاضر شيئًا إلى مدينة عريقة في المعرفة والثقافة.
أزمة القراء
واختتم طه حسين جولته الثقافية في مدينة تطوان، 6 يوليو 1958، بمحاضرته الرابعة والأخيرة، التي حملت عنوان "مشكلات الأدب العربي في الوقت الحاضر".
وفيها انتقل العميد من استعادة التاريخ إلى مناقشة التحديات التي تواجه الأدب في زمنه، متوقفًا عند أزمة تراجع القراءة، وانشغال الناس بأعباء الحياة، بجانب ظهور وسائل جديدة للترفيه ونقل المعلومات، مثل السينما والتلفزيون والإذاعة.
أرض البطولة
وبعد انتهاء رحلته، عاد طه حسين إلى تجربته المغربية في مقال بعنوان "أرض البطولة"، مستعيدًا تفاصيل الوصول والاستقبال، وما أحاط به من مظاهر الحفاوة.