ادخار الأموال تحت الأَسرَّة، والتوقف عن استخدام أنظمة البنوك أو الدفع أونلاين، والعودة لما قبل التكنولوجيا، هكذا حذّر مسؤولون بالبنك الدولي وبنك إنجلترا من المستقبل، بسبب فقدان الثقة في أنظمة البنوك على خلفية تهديدات متعددة مثل الاحتيال الإلكتروني والهجمات السيبرانية المتكررة التي تهدد مستقبل الادخار وأنظمة الدفع وكل شيء، بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية.
وحذّر محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا، من أن تصاعد الهجمات الإلكترونية قد يقوّض ثقة الأفراد في النظام المالي، ويدفع البعض إلى الابتعاد عن المنظومة المصرفية والاحتفاظ بأموالهم نقدًا في منازلهم، واللجوء إلى "صناديق الأحذية تحت أسرّتهم".
وخلال جلسة نقاشية حول الاحتيال الإلكتروني، عُقدت على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، أشار "بيلي" إلى تزايد المخاوف المرتبطة بالتهديدات السيبرانية، مستشهدًا بتقارير عن وكلاء ذكاء اصطناعي ذاتية التكاثر تتمكن من اختراق الأجهزة الشخصية، إلى جانب حادثة اختراق إلكتروني استهدفت سلسلة متاجر فرنسية وأدت إلى ارتفاع درجات حرارة الثلاجات إلى 50 درجة مئوية.
أماكن الادخار التقليدية
من جانبها، حذّرت جورجييفا من أن انتشار الاحتيال عبر الإنترنت وتراجع الثقة في سلامة الخدمات المالية الرقمية قد يدفعان الأفراد إلى الانسحاب من النظام المالي، والعودة إلى الاحتفاظ بمدخراتهم في أماكن تقليدية، مثل "صناديق الأحذية تحت السرير"، في إشارة إلى تخزين الأموال نقدًا داخل المنازل بدلًا من إيداعها في البنوك.
وقالت جورجييفا، إن خسائر الاحتيال الإلكتروني باتت هائلة لدرجة أن الناس قد يقررون الانسحاب من النظام المالي الرسمي تمامًا، مضيفة أن هذا التهديد حادٌّ بشكل خاص بالنسبة للأشخاص المهمشين في النظام المالي.
وأضافت: "تخيّلوا ماذا سيحدث إذا اختفت الثقة أو تآكلت إلى درجة يفقد معها الناس الشجاعة للمشاركة".
وتسلّط هذه التحذيرات الضوء على أحد التحديات المتزايدة التي تواجه القطاع المالي مع تسارع التحول الرقمي، إذ لم تعد الهجمات السيبرانية تقتصر على الخسائر المالية المباشرة أو تعطيل الخدمات، بل باتت تهدد أيضًا ثقة العملاء في المؤسسات المصرفية وقدرتهم على الوصول إلى أموالهم بأمان.
حذّر صندوق النقد الدولي، في تقريره عن الاستقرار المالي العالمي الصادر في أكتوبر 2026، من تصاعد المخاطر السيبرانية التي تواجه المؤسسات المالية مع تسارع التحول الرقمي وتزايد الترابط بين الأنظمة المالية والتكنولوجية، مؤكدًا أن الهجمات الإلكترونية باتت تمثل مصدرًا متناميًا للمخاطر النظامية التي قد تهدد استقرار القطاع المالي بأكمله.
سلاح ذو حدين
أشار التقرير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة باتت سلاحًا ذا حدين؛ إذ توفر أدوات أكثر قوة لتنفيذ الهجمات السيبرانية، في الوقت الذي تمثل فيه إحدى الأدوات الرئيسية لتعزيز الدفاعات الرقمية والتصدي لهذه التهديدات.
وحذّر معدّو التقرير من أن "هجومًا كبيرًا يستهدف أنظمة المدفوعات أو التداول أو الوصول إلى الودائع قد يتسبب في خسائر فورية ويقوض الثقة"، في إشارة إلى التداعيات المحتملة للهجمات الإلكترونية على قدرة المؤسسات المالية على مواصلة عملياتها، فضلًا عن تأثيرها في ثقة العملاء بالنظام المصرفي.
وحدد الصندوق ثلاثة عوامل رئيسية تسهم في تصاعد هذه المخاطر، يأتي في مقدمتها التوسع السريع في رقمنة الخدمات المالية، الذي أدى إلى اتساع نطاق الأنظمة المعرضة للهجمات. فمع تزايد اعتماد المؤسسات المالية على تقنيات مترابطة، وخدمات الحوسبة السحابية، ومزودي الخدمات الخارجيين، وأنظمة الدفع والتسوية الفورية، أصبحت أي ثغرة أو عملية اختراق قادرة على إحداث اضطرابات تتجاوز حدود المؤسسة المستهدفة.
احتكار الخدمات التكنولوجية
ويتمثل العامل الثاني في تزايد اعتماد المؤسسات المالية على عدد محدود من مزودي الخدمات التكنولوجية الرئيسيين، إلى جانب تعقّد سلاسل الاعتماد على الأطراف الخارجية وصعوبة تتبعها في بعض الأحيان. وبحسب التقرير، يؤدي هذا الاعتماد إلى تركّز المخاطر، ويخلق نقاط ضعف مشتركة قد تتسبب في تعطل عدد من المؤسسات المالية في وقت واحد، بما يضاعف من نطاق التأثير المحتمل للهجمات السيبرانية.
أما العامل الثالث، فيتمثل في التطور المتسارع لقدرات المهاجمين وتعقّد التهديدات الإلكترونية. وأوضح الصندوق أن الجهات المدعومة من دول، ومجموعات برامج الفدية، والمتسللين من داخل المؤسسات، باتوا يمتلكون أدوات أكثر تطورًا، من بينها نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي أظهرت قدرات قوية في محاكاة الهجمات على الشبكات، الأمر الذي يزيد من صعوبة التصدي لهذه التهديدات.
ولفت التقرير إلى الارتفاع الحاد في عدد الثغرات الأمنية المُعلن عنها، بالتزامن مع تقلص الفترة الفاصلة بين الكشف عن الثغرة واستغلالها فعليًا في الهجمات. ففي أكثر من 70% من الحالات خلال عام 2026، لم يتوفر لمطوري البرمجيات سوى وقت شبه معدوم لمعالجة الثغرات قبل بدء استغلالها، بزيادة قدرها 20% مقارنة بالعام السابق.
وتعكس هذه المؤشرات، بحسب ما أورده التقرير، تزايد الضغوط على المؤسسات المالية ومزودي التكنولوجيا لتطوير قدراتهم الدفاعية وتسريع الاستجابة للتهديدات، في وقت باتت فيه سرعة اكتشاف الثغرات ومعالجتها عاملًا حاسمًا في الحد من مخاطر الاضطرابات السيبرانية على النظام المالي العالمي.