الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

"نووي كوريا الشمالية".. من اختبار 2006 إلى صواريخ تهدد العالم

  • مشاركة :
post-title
كيم جونج أون

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

في تمام الساعة العاشرة و36 دقيقة صباح التاسع من أكتوبر 2006، رصدت أجهزة الاستشعار في كوريا الجنوبية موجات زلزالية غير مألوفة، قبل أن يبدأ الخبراء، بعد نحو نصف ساعة، في تحديد موقع مركز الهزة. وانتهت التقديرات إلى أن مصدرها مقاطعة كيلجو، الواقعة في إقليم هامجيونج الشمالي، أقصى شمال كوريا الشمالية.

ولم تكن تلك الهزة ناجمة عن نشاط جيولوجي طبيعي، بل كانت الإشارة الأولى إلى تنفيذ بيونج يانج أول تجربة نووية في تاريخها، داخل موقع الاختبارات النووية الوحيد المعروف لديها آنذاك، في المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.

ومثلت التجربة نقطة تحول في مسار البرنامج النووي الكوري الشمالي، إذ كانت الأولى ضمن ست تجارب نووية أجرتها البلاد على مدى أكثر من عقد، في إطار سعيها إلى تطوير أسلحة نووية وترسيخ مكانتها بوصفها قوة نووية، رغم الإدانات الدولية الواسعة والعقوبات المفروضة عليها.

وبعد مرور عقدين على تلك التجربة، باتت الترسانة العسكرية لكوريا الشمالية أكثر تطورًا واتساعًا، بينما لا تزال مخاوف كوريا الجنوبية من جارتها الشمالية، المعروفة بانغلاقها السياسي وتصعيدها العسكري، قائمة، بل تتزايد مع استمرار تطوير الصواريخ والأسلحة الإستراتيجية.

بداية المسار النووي

وقدر محللون كوريون جنوبيون القوة التفجيرية للتجربة النووية الأولى بنحو 0.8 كيلوطن، وهي قوة محدودة مقارنة بالتجارب النووية التي أجرتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقًا. في المقابل، قدمت روسيا تقديرات أعلى لطاقتها التفجيرية، إلا أن غالبية الخبراء رجحوا أنها لم تتجاوز كيلوطن واحد.

وللمقارنة، بلغت القوة التقديرية للقنبلة السوفيتية "القيصر"، التي اختُبرت عام 1961 في أرخبيل نوفايا زيمليا النائي، نحو 50 ألف كيلوطن، أي ما يزيد على 62 ألف ضعف القوة المقدرة للتجربة الكورية الشمالية الأولى.

وبعد أسبوعين من الاختبار، رصدت محطة مراقبة في شمال كندا ارتفاعًا في مستويات غاز الزينون-133 المشع، وهو أحد الغازات النبيلة الناتجة عن عملية الانشطار النووي. وعزز هذا الرصد الأدلة على حدوث انفجار نووي في كوريا الشمالية.

وقال ويليام ألبرك، المسؤول السابق عن مركز حلف شمال الأطلسي المعني بمنع الانتشار النووي، الذي يعمل حاليًا مع منظمة "باسيفيك فوروم" البحثية، إن تجربة عام 2006 شكلت منعطفًا مهمًا، إذ جاءت بعد ثماني سنوات لم يشهد خلالها العالم تجربة نووية جديدة.

وأضاف أن التجربة لم تحقق النجاح المطلوب، لكنها منحت كوريا الشمالية خبرة مهمة مكّنتها من التعلم وتطوير برنامجها لاحقًا.

وكانت بيونج يانج أعلنت قبل أيام من الاختبار أنها تستعد لإجراء تفجير نووي، فيما وصفت وسائل إعلامها الرسمية الحدث بأنه "قفزة كبيرة إلى الأمام" و"حدث تاريخي". وفي المقابل، رجح خبراء دوليون أن التجربة لم تسر وفق المخطط، مع احتمال أن تكون اختبارًا أوليًا منخفض القوة التفجيرية.

وعقب التجربة، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على كوريا الشمالية، في محاولة للحد من برنامجها النووي ومنع تطوير صواريخها الباليستية. غير أن هذه الإجراءات لم تنجح في وقف تقدم البرنامج العسكري للبلاد.

ست تجارب نووية

وأجرت كوريا الشمالية خمس تجارب نووية إضافية بعد اختبارها الأول، من بينها تجربتان خلال فترة تقل عن تسعة أشهر عام 2016.

أما التجربة الأخيرة، التي نفذت عام 2017، فسجلت أكبر قوة زلزالية بين الاختبارات النووية الكورية الشمالية، إذ بلغت القيمة المقدرة نحو 6.1 درجات وفقًا لتقديرات خبراء نوويين. ورصدت التجربة أكثر من 100 محطة مراقبة، كما تمكنت فرق دولية، بعد أشهر، من تحديد أكثر من 30 هزة ارتدادية صغيرة في محيط موقع الاختبار.

وتعد كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي أجرت تجارب نووية خلال القرن الحادي والعشرين، ولم تُسجل أي تجربة نووية مؤكدة في العالم منذ عام 2017.

وكانت تجربة عام 2006 أنهت عمليًا التوقف غير الرسمي عن إجراء الاختبارات النووية، الذي ترسخ بعد فتح معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية للتوقيع عام 1996. ورغم أن المعاهدة لم تدخل حيز النفاذ رسميًا بسبب عدم استكمال التصديقات المطلوبة، فإن معظم دول العالم التزمت بوقف التجارب النووية.

ومنذ أول اختبار نووي عام 1945، أُجريت آلاف التجارب في بيئات مختلفة، بما في ذلك الغلاف الجوي وتحت الماء وتحت سطح الأرض. وأدت المخاوف من انتشار المواد المشعة إلى دفع الدول نحو حظر التجارب الجوية والبحرية بموجب معاهدة عام 1963.

لكن الاختبارات تحت الأرض لم تخل من المخاطر، إذ يشير خبراء إلى إمكان تسرب مواد مشعة إلى الغلاف الجوي وتلوث التربة المحيطة بمواقع التفجير.

ترسانة نووية متنامية

ولم تعد كوريا الشمالية اليوم الدولة التي أجرت اختبارًا نوويًا محدود القوة قبل عشرين عامًا. فالتقديرات المستقلة تشير إلى امتلاكها نحو 60 رأسًا نوويًا، مع احتمال توافر مواد انشطارية تكفي لإنتاج ما يصل إلى 90 سلاحًا نوويًا.

ومع ذلك، تتباين الأرقام بشأن حجم الترسانة الفعلية. فقد أشارت تقديرات كورية جنوبية إلى إمكانية امتلاك بيونج يانج ما يصل إلى 120 رأسًا نوويًا، بينما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات مختلفة، عن أرقام أخرى، من بينها 57 رأسًا نوويًا، ثم أشار لاحقًا إلى رقم بلغ 112.

وتعكس هذه الاختلافات صعوبة تحديد الحجم الحقيقي للبرنامج النووي الكوري الشمالي، في ظل السرية التي تحيط بالأنشطة العسكرية للبلاد وغياب آليات تحقق مستقلة وشاملة.

وبالتوازي مع تطوير الرؤوس النووية، عملت بيونج يانج على توسيع ترسانتها الصاروخية، بما يشمل صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة نظريًا على الوصول إلى البر الأمريكي الرئيسي، إذ تعرف هذه الفئة من الصواريخ بأنها القادرة على قطع مسافة تتجاوز 5.500 كيلومتر.

وأجرت كوريا الشمالية أول اختبار لصاروخ عابر للقارات في منتصف عام 2017، قبل أن تختبر تصميمًا آخر بعد نحو أربعة أشهر. ويشير محللون إلى أن صاروخي "هواسونج-17" و"هواسونج-18" دخلا الخدمة، بينما لا تزال تصاميم أخرى قيد التطوير.

ورغم عدم إجراء تجربة نووية جديدة منذ عام 2017، واصلت البلاد اختبار الصواريخ التي يمكن تزويد بعضها برؤوس نووية. وفي الثالث من أكتوبر، أعلنت بيونج يانج إجراء اختبار لصاروخ إستراتيجي متوسط المدى قادر على قطع أكثر من ألف كيلومتر، وسط تقارير عن تنفيذها قرابة اثني عشر اختبارًا صاروخيًا خلال العام الجاري.

وقال ألبرك إن كوريا الشمالية نجحت، على مدى العقدين الماضيين، في تطوير صواريخ أكثر كفاءة وأبعد مدى، كما زادت أعدادها بصورة ملحوظة.