كشفت أبحاث علمية حديثة أن الركبتين تتمتعان بقدرة أكبر على التحمل والتكيف مما كان يعتقده كثيرون، وأن الحفاظ على صحتهما مع التقدم في العمر لا يتطلب تجنب الأنشطة البدنية، بقدر ما يعتمد على الاستعداد الجيد وممارسة الحركة بانتظام، إذ تؤدي الركبتان دورًا أساسيًا في المشي وصعود السلالم وممارسة الرياضة وحمل الأطفال والنهوض من المقاعد، ما يجعل سلامتهما عاملًا مهمًا للحفاظ على الاستقلالية والقدرة على الحركة طوال العمر.
وأوضح خبراء أن المفاهيم الشائعة بشأن صحة الركبتين لا تتوافق دائمًا مع الأدلة العلمية، إذ يعتقد كثيرون أن الجري لمسافات طويلة يُزيد خطر الإصابة بخشونة المفاصل، بينما تشير دراسات متعددة إلى أن العدائين أقل عرضة عمومًا للإصابة بخشونة الركبة المؤلمة مقارنة بغيرهم، وأن المرض يتطور لديهم بوتيرة أبطأ في حالات الإصابة، بل قد يساعد الجري على تقوية الغضاريف، بحسب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية بقلم جريتشن رينولدز وآرون ستكلبيرج.
ركبتا الشباب
أظهرت دراسة أجراها اختصاصي العلاج الطبيعي والأستاذ المساعد في الطب بجامعة كولومبيا البريطانية، جان فرانسوا إسكولييه، عام 2022، وشملت 2514 شخصًا بالغًا، أن أكثر من نصف المشاركين اعتقدوا أن الجري لمسافات طويلة يُزيد خطر الإصابة بخشونة الركبة، رغم أن الأدلة البحثية لا تدعم هذا الاعتقاد على نحو عام، وهو ما يعكس الفجوة بين التصورات الشائعة والنتائج العلمية المتعلقة بصحة المفاصل.
وفي الوقت نفسه، أكد الخبراء أن الركبتين تتغيران مع التقدم في العمر، لكن هذه التغيرات ليست حتمية بالكامل، إذ يمكن الحد من كثير من المشكلات المرتبطة بها من خلال النشاط البدني المنتظم، وتقوية العضلات المحيطة بالمفصل، وتجنب الخمول لفترات طويلة، بما يساعد على الحفاظ على القدرة على الحركة وتقليل احتمالات الألم والتراجع الوظيفي مع مرور السنوات.
مرحلة منتصف العمر
تتطلب المحافظة على الركبتين خلال الأربعينات والخمسينات الاهتمام باستمرار الحركة وتقوية العضلات التي تدعم المفصل، خصوصًا العضلات الرباعية في مقدمة الفخذ، إذ تساعد هذه العضلات على تثبيت الركبة وتحسين القدرة على أداء الأنشطة اليومية، مثل صعود السلالم والوقوف من المقاعد، كما يتيح التدريب المنتظم الحفاظ على القوة والقدرة الوظيفية مع التقدم في العمر.
وفي المقابل، لا تعني التغيرات الجسدية المرتبطة بالعمر ضرورة الابتعاد عن الرياضة أو تقليل الحركة بصورة مبالغ فيها، إذ تشير الأدلة إلى أن الركبتين قادرتان على تحمل النشاط البدني بدرجة أكبر مما كان يُعتقد سابقًا، شريطة مراعاة القدرة الفردية والتدرج في التمارين، مع الانتباه إلى الألم المستمر أو الأعراض التي تستدعي التقييم الطبي.
ركبتا كبار السن
أظهرت دراسات أن زيادة عدد الخطوات اليومية يمكن أن تحسّن صحة الركبتين وقدرتهما على أداء الوظائف الحركية لدى كبار السن، خصوصًا الأشخاص المصابين بخشونة المفاصل أو المعرضين للإصابة بها، إذ وجد بحث أن من يمشون 6 آلاف خطوة يوميًا على الأقل حافظوا على قدرتهم على الحركة وشعروا بألم أقل مقارنة بمن يسجلون عددًا أقل من الخطوات.
وفي دراسة أخرى، تحسنت وظيفة الركبة بنحو 16% مقابل كل ألف خطوة إضافية يوميًا لدى المشاركين الذين لم يصلوا إلى حاجز 6 آلاف خطوة، وهو ما يشير إلى أن زيادة الحركة تدريجيًا قد تحقق فوائد حتى لمن لا يستطيعون الوصول إلى أهداف مرتفعة من النشاط البدني، بدلًا من الاعتقاد بأن عدم بلوغ عدد معين من الخطوات يجعل المشي غير مفيد.
تمارين القوة
أكدت الأبحاث أهمية تمارين القرفصاء في دعم صحة الركبتين، نظرًا إلى تركيزها على تقوية عضلات الفخذ التي تؤدي دورًا أساسيًا في الحركة، وأظهرت دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة "ساينتيفيك ريبورتس" أن برنامجًا استمر 12 أسبوعًا وشمل تمارين القرفصاء باستخدام الكرسي لدى 16 رجلًا وامرأة من كبار السن، ساعد على زيادة حجم العضلات الرباعية وقوتها.
وفي الأثناء، تمكن المشاركون من النهوض من الكراسي بسرعة أكبر بعد انتهاء البرنامج، وهو مؤشر على تحسن القوة الوظيفية المرتبطة بصحة الركبتين، وتدعم هذه النتائج أهمية الجمع بين المشي وتمارين تقوية العضلات للحفاظ على الحركة مع التقدم في العمر، بدلًا من تجنب النشاط خوفًا من تآكل المفاصل، مع ضرورة اختيار التمارين المناسبة للحالة البدنية والبدء بمستويات يمكن تحملها.
وفي المحصلة، أشارت الأدلة العلمية إلى أن الحفاظ على صحة الركبتين يبدأ بالاستمرار في الحركة وتجنب الخمول، مع إدخال تمارين القوة وزيادة المشي تدريجيًا، إذ لا تمثل الشيخوخة وحدها سببًا حتميًا لفقدان القدرة على الحركة أو الإصابة بألم الركبة، بينما يمكن للعادات اليومية أن تؤثر في مسار صحة المفاصل وجودة الحياة على المدى الطويل.