أكد وزير الدولة بوزارة الخارجية الألمانية فلوريان هان، أمس الاثنين، أن تداعيات الأزمات في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم تتجاوز حدود الدول المتأثرة بها، لتنعكس على الأمن والاستقرار وأسعار السلع وحركة التجارة العالمية، مشددًا على أهمية تعزيز التعاون الدولي وتجنب التحركات المنفردة، والحفاظ على حرية الملاحة، والعمل على تسوية النزاعات بالوسائل السياسية.
وفي تصريحات خاصة لـ"القاهرة الإخبارية"، تناول "هان" أبرز ملفات التعاون المصري الألماني، وتطورات الأوضاع في قطاع غزة والسودان، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العالمي، إلى جانب آفاق التعاون التعليمي والأكاديمي بين القاهرة وبرلين، مؤكدًا أهمية الدور المصري في التعامل مع التحديات الإقليمية، واستعداد ألمانيا لمواصلة التنسيق مع مصر وشركائها الدوليين لدعم الاستقرار.
الأزمات الإقليمية وحرية الملاحة
وقال هان إن تداعيات الأزمات في الشرق الأوسط تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المواطنين في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك ألمانيا، موضحًا أن حرب غزة وأزمة مضيق هرمز تنعكسان على الأسعار العالمية وتؤديان إلى ارتفاعها، فضلًا عن تدفقات اللاجئين وتأثر دول عديدة، من بينها مصر، بالتطورات المحيطة بها إقليميًا.
وشدد على أهمية تجنب التحركات المنفردة وتعزيز التعاون المشترك لتحقيق الأمن والاستقرار ومنع تكرار الأزمات بصورة مستدامة.
وأضاف أن الأزمات الإقليمية أظهرت تأثيراتها على طرق الملاحة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر والبحر الأسود، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة وحماية خطوطها لضمان عبور السفن التجارية بأمان.
وأشار هان إلى أن مهمة "أسبيدس" الأوروبية أدت دورًا مهمًا في حماية نحو 2400 سفينة أثناء مرورها في مضيق هرمز، إلى جانب توفير الحماية عن قرب لنحو 700 سفينة خلال عبورها البحر الأحمر، مؤكدًا أن ألمانيا ستواصل دعم المهمة والعمل مع شركائها الأوروبيين لتعزيز دورها خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن مواجهة التهديدات التي تتعرض لها الملاحة لا تقتصر على الدور الذي تؤديه مهمة "أسبيدس"، بل تتطلب أيضًا معالجة أنشطة الحوثيين من خلال التعاون الدبلوماسي والسياسي، مشددًا على أهمية التحرك السياسي في هذا الملف، ومعتبرًا أن مصر شريك مهم في دعم الجهود الرامية إلى حماية الملاحة وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
غزة.. دعم ألماني لإعادة الإعمار
فيما يتعلق بقطاع غزة، قال هان إن ألمانيا تعمل مع مصر من أجل تهدئة الأوضاع، مشيدًا بالدور المصري في المساهمة في التوصل إلى خارطة طريق واضحة لمستقبل القطاع.
وأكد ضرورة وفاء جميع الأطراف بتعهداتها، لا سيما فيما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، ونزع سلاح حركة حماس، وتشكيل حكومة تتولى إدارة غزة دون مشاركة الحركة. وأوضح أن ألمانيا مستعدة للمساهمة في إعادة الإعمار وتقديم خبراتها في مجال الإدارة.
وأضاف أن ضمان استدامة إعادة إعمار القطاع على مدى العقود المقبلة يظل أمرًا يصعب الجزم به، مشددًا على أن التمويل وتطوير البنية التحتية وحدهما لا يكفيان لإعادة بناء غزة، بل يتعين تحقيق المصالحة بين الأطراف المختلفة، رغم صعوبة ذلك في الظروف الراهنة.
وأشار إلى أن الوصول إلى المصالحة يمثل ضرورة للتوصل إلى حل دائم، لافتًا إلى أن برلين تؤمن بضرورة تطبيق حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، رغم إدراكها صعوبة الطريق إلى تحقيق ذلك في الوقت الراهن.
ودعا هان إلى وقف تبادل الاتهامات والعمل عبر القنوات السياسية، مع ممارسة الضغوط اللازمة لضمان تنفيذ التعهدات، مشيرًا إلى أنه لمس خلال لقاءاته السياسية إصرار الجانب المصري على المضي قدمًا في تنفيذ خارطة الطريق بما يحقق مصالح جميع الأطراف.
السودان.. ضرورة تكثيف الضغوط السياسية
وعن الأزمة السودانية، قال "هان" إنها تُعد من أبرز الأزمات في محيط مصر، مشيرًا إلى دخول أكثر من 1.5 مليون سوداني إلى الأراضي المصرية، حيث تقدم لهم القاهرة الرعاية، وتبذل جهودًا مكثفة لنزع فتيل الأزمة بالتعاون مع ألمانيا.
وأكد أن الحرب واستخدام القوة العسكرية ليسا حلًا للأزمة، مشددًا على ضرورة اضطلاع جميع الأطراف المعنية بمسؤولياتها، وممارسة الضغوط السياسية عليها للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الصراع.
الحرب الروسية الأوكرانية والأمن الغذائي العالمي
وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، أوضح "هان" أن تداعياتها لا تقتصر على أوكرانيا والدول الأوروبية، بل تمتد إلى دول الجنوب التي تعتمد على استيراد الحبوب الأوكرانية.
وحذّر من أن استمرار القيود المفروضة على تصدير الحبوب عبر البحر الأسود وعدم وصولها إلى الأسواق العالمية قد يؤديان إلى مجاعات واسعة، مؤكدًا ضرورة إقناع روسيا بإنهاء الحرب والسماح بتصدير الحبوب إلى الدول التي تحتاج إليها.
وأشار إلى أن وزير الخارجية الألماني التقى نظيره الروسي سيرجي لافروف على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وطالبه صراحة بإنهاء الحصار الروسي على أوكرانيا.
وشدد "هان" على أهمية تكثيف الضغوط الدولية على موسكو لإنهاء الحرب ووقف عرقلة صادرات الحبوب، لافتًا إلى أن التحرك المشترك ضروري لتفادي تفاقم تداعيات الأزمة على الأمن الغذائي العالمي، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الحبوب.
آفاق جديدة للتعاون المصري الألماني
وفي ملف التعاون التعليمي، أكد "هان" أن تعلم اللغة الألمانية يمثل مفتاحًا مهمًا أمام المصريين الراغبين في العمل بألمانيا، مشيدًا بخريجي وخريجات الجامعة الألمانية بالقاهرة لعام 2026، الذين حضر حفل تخرجهم وألقى كلمة خلاله، ومعربًا عن إعجابه بالشباب الذين أنهوا دراستهم واكتسبوا مهارات اللغة الألمانية.
وأضاف أن التعاون بين مصر وألمانيا لا يقتصر على انتقال العمالة المصرية إلى ألمانيا، بل يشمل أيضًا تبادل العلوم والخبرات بما يحقق المنفعة المشتركة للبلدين، مؤكدًا أن التعاون الأكاديمي الذي تمثله الجامعة الألمانية بالقاهرة يوفر فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق الشراكة بين الجانبين.
كما أشار إلى أهمية المبادرة الرئاسية للرئيس عبد الفتاح السيسي لإنشاء 100 مدرسة مصرية ألمانية، مؤكدًا أن تنفيذ المبادرة سيمثل تقدمًا كبيرًا في مسار التعاون التعليمي بين البلدين، ويسهم في تعزيز الروابط المصرية الألمانية وتهيئة مزيد من الفرص أمام الأجيال الجديدة للاستفادة من الخبرات التعليمية واللغوية الألمانية.