أكد الكاتب والمفكر والدبلوماسي العراقي حسين الهنداوي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، أن العراق كان موجودًا باعتباره بلدًا ومجتمعًا قبل تأسيس دولته الحديثة عام 1921، مشيرًا إلى أن جذور الكيان العراقي تعود إلى فترات تاريخية طويلة سبقت الاحتلال البريطاني.
وأضاف الهنداوي، خلال حديثه لبرنامج "الجلسة سرية" الذي يقدمه الكاتب الصحفي والإعلامي سمير عمر على شاشة "القاهرة الإخبارية"، أن ثورة العشرين عام 1920 جسَّدت حالة من الانتماء الوطني المشترك، إذ شارك فيها العرب والأكراد والتركمان ومختلف الطوائف والمذاهب الدينية دفاعًا عن وطن اسمه العراق.
وأكد أن مقاومة الاحتلال البريطاني لم تقم على أساس المواجهة بين العرب وغير العرب، وإنما استندت إلى قاعدة وطنية شملت مكونات المجتمع العراقي المختلفة، بما في ذلك المسلمون والمسيحيون والشيعة والسنة.
ثورتا النجف والعشرين
وأشار إلى أن ثورة النجف عام 1919 وثورة العشرين عام 1920 كانتا من أبرز محطات المقاومة العراقية للاحتلال البريطاني، لافتًا إلى أن مطالب الاستقلال عن الدولة العثمانية كانت قد ظهرت في العراق قبل ذلك بعقود.
وأوضح الهنداوي أن الاعتراف بالعراق دولة مستقلة عام 1921 جاء في سياق التطورات التي أعقبت الاحتلال البريطاني، معتبرًا أن الملك فيصل الأول كان عنصرًا إضافيًا في تأسيس الدولة الحديثة، وليس مؤسسًا للوجود العراقي نفسه.
ولفت "الهنداوي" إلى أن تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 جاء ضمن مشروع بريطاني ارتبط بالتطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى، موضحًا أن بريطانيا اختارت الملك فيصل الأول لتولي عرش العراق بعد انتهاء تجربته في سوريا.
وأوضح، في حواره مع برنامج "الجلسة سرية"، أن مشروع تأسيس الدولة العراقية تزامن مع ترتيبات دولية أوسع، من بينها اتفاقية سايكس بيكو السرية بين بريطانيا وفرنسا، التي تناولت مناطق متعددة في الشرق الأوسط.
وذكر أن الملك فيصل الأول بدأ بعد انتقاله إلى العراق في تطوير رؤية سياسية أكثر ارتباطًا بخصوصية المجتمع العراقي، بعدما كان جزءًا من المشروع العربي الداعي إلى إقامة دولة عربية موحدة.
ولفت إلى أن مفهوم "الأمة العراقية" اكتسب أهمية في تلك المرحلة، في تحول عن الخطاب الذي ركز سابقًا على الأمة الإسلامية أو الوحدة العربية، بما عكس محاولة صياغة هوية سياسية تتناسب مع واقع العراق.
وبيّن "الهنداوي" أن المشروع البريطاني لم يكن العامل الوحيد في تطور الدولة العراقية، إذ تفاعلت معه التحولات الداخلية وتطلعات العراقيين إلى الاستقلال، فضلًا عن محاولات الملك فيصل الأول بناء مشروع سياسي يخدم البلد الذي أصبح ملكًا عليه.
وأشار إلى أن بعض المشكلات التي ظهرت في العراق بعد عام 2003 لها جذور تاريخية تعود إلى فترة النظام الملكي، مشيرًا إلى أن تركيبة السلطة آنذاك لم تعكس بصورة متوازنة التنوع القومي والمذهبي للمجتمع العراقي.
وأوضح أن النظام الملكي شهد هيمنة شخصيات وضباط ارتبطوا بالمشروع القومي العربي، بينما لم تجد بعض المكونات العراقية نفسها ممثلة بصورة كافية في مؤسسات الدولة.
انقلاب بكر صدقي
وأكد أن هذه الاختلالات أسهمت في ظهور توترات سياسية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لافتًا إلى انقلاب بكر صدقي عام 1936، الذي وصفه بأنه أول انقلاب عسكري في العالم العربي، باعتباره إحدى المحطات المهمة في تاريخ الصراع على السلطة بالعراق.
وبيّن أن دراسة تلك المرحلة تكشف، بحسب تحليله، عن تأثير التنافس بين القوى السياسية والعسكرية وعن التوترات المرتبطة بتمثيل المكونات المختلفة داخل مؤسسات الدولة.
وشدد "الهنداوي" على أن فهم أزمات العراق المعاصرة يتطلب العودة إلى جذور تأسيس الدولة وطبيعة النظام السياسي الذي نشأ في ظلها، بدلًا من التعامل مع التطورات التي أعقبت عام 2003 باعتبارها بداية جميع المشكلات العراقية.
الحرب العراقية الإيرانية
وأشار الهنداوي إلى أن الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980 كانت من الأحداث المدمرة في تاريخ العراق الحديث، معتبراً أن البلاد تكبدت خلالها خسائر بشرية واقتصادية كبيرة على مدار ثماني سنوات.
وذكر أن الروايات التي تربط اندلاع الحرب بكونها رداً على عدوان إيراني لا تحسم، في تقديره، مسؤولية بدء المواجهة، مشيراً إلى أن صدام حسين هو من بدأ الحرب وفق قراءته للأحداث.
وأكد أن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالمجتمع العراقي وأضعفت موارده وإمكاناته، لافتاً إلى أن آثارها امتدت إلى مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وأشار إلى أن فهم القرارات التي اتخذها النظام العراقي آنذاك يتطلب دراسة السياق الإقليمي والدولي، بما في ذلك أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران بعد الثورة الإيرانية، التي تطرق إليها خلال الحوار.
غزو الكويت
في سياق متصل، أكد الكاتب والمفكر العراقي حسين الهنداوي أن غزو الكويت عام 1990 كان نقطة مفصلية في تاريخ العراق، معتبراً أن العملية ألحقت أضراراً كبيرة بالجيش العراقي وأسهمت في تدمير قدراته العسكرية.
وأضاف أن الحرب التي أعقبت غزو الكويت شهدت خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، مشيراً إلى ما وصفه باستهداف القوات العراقية خلال انسحابها من الكويت.
وأكد أن تداعيات الحرب لم تقتصر على الخسائر المباشرة، وإنما امتدت إلى القدرات القتالية والخبرات العلمية والعسكرية العراقية، وهو ما اعتبره من العوامل التي أضعفت الدولة العراقية في السنوات التالية.
وأوضح الهنداوي أن قراءة سقوط نظام صدام حسين تتطلب النظر إلى سلسلة من الأحداث والحروب التي أضعفت العراق، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بغزو الكويت وتداعياته، وصولاً إلى الغزو الأمريكي عام 2003.
الغزو الأمريكي للعراق
فيما يتعلق بالغزو الأمريكي للعراق، شدد الهنداوي على أنه لا يمكن اعتباره تأسيساً ثانياً للدولة العراقية، مؤكداً أن ما جرى كان احتلالاً ارتبط بمصالح أمريكية مباشرة في الشرق الأوسط.
وأضاف أن الولايات المتحدة لم تأت إلى العراق، وفق تقديره، بمشروع حقيقي لبناء دولة ديمقراطية أو لتمكين القوى التي كانت محرومة من السلطة قبل سقوط نظام صدام حسين.
وقال الهنداوي إنه شعر بالحزن عند دخول القوات الأمريكية إلى بغداد عام 2003، موضحاً أن مشهد احتلال العاصمة العراقية كان مؤلماً بالنسبة إليه رغم معارضته السابقة لنظام صدام حسين.
وأضاف أنه نشر مقالاً بعنوان "وجهاً لوجه أمام الاحتلال الأمريكي" في صحيفة الحياة عام 2004، تناول فيه موقفه من الاحتلال وتداعياته.
وأكد أن القوات الأمريكية تعاملت، بحسب تجربته ومشاهداته، بعنف وعنجهية مع العراقيين، مشيراً إلى أنه شاهد جنوداً أمريكيين يتجولون في الشوارع ويغلقون المحال التجارية بالقوة، كما تحدث عن ممارسات اتسمت بالقسوة تجاه من يعارضون وجود القوات المحتلة.
وأشار إلى أن رفض الاحتلال الأمريكي لم يقتصر على أنصار النظام السابق، بل أصبح مطلباً لدى قطاعات من المجتمع العراقي، معتبراً أن المطالبة بإنهاء الاحتلال سبقت تبني بعض القوى السياسية الحاكمة لهذا المطلب.
وأوضح الهنداوي أن معارضته لنظام صدام حسين كانت سلمية، وأن مشاركته لاحقاً في تنظيم الانتخابات جاءت في إطار عمله مع الأمم المتحدة، بهدف الإسهام في إجراء انتخابات ديمقراطية، وليس تأييداً للاحتلال أو لسياساته.
الانتخابات العراقية
ولفت إلى أن الانتخابات العراقية الأولى بعد سقوط النظام أُجريت بدور أساسي للأمم المتحدة، موضحاً أن المنظمة الدولية وفرت الإطار الذي عمل من خلاله على تنظيم العملية الانتخابية بعد عودته إلى العراق عام 2004 انطلاقاً من اعتقاده بإمكانية إجراء انتخابات ديمقراطية حرة تحت ضمانة دولية تتيح للعراقيين اختيار ممثليهم.
ويرى الهنداوي أن الديمقراطية تظل الخيار السياسي الممكن للعراق، رغم الصعوبات التي واجهت التجربة الانتخابية بعد عام 2003، موضحاً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ الانتخابات نفسه، وإنما في طريقة تطبيقه.
وأشار إلى أن الديمقراطية تقوم على اختيار الناخبين ممثليهم بحرية، مؤكداً أنه لا يرى وجود نماذج متعددة للديمقراطية تختلف في جوهرها بحسب التوجهات الأيديولوجية.
ولفت إلى أن تراجع ثقة العراقيين بالقوى السياسية لا يعني بالضرورة فقدان الثقة في العملية الديمقراطية، موضحاً أن تدخلات القوى السياسية في قوانين الانتخابات قد تؤثر في نزاهة المنافسة وفي فرص الناخبين في إحداث التغيير.
وبيّن أن المجتمع العراقي يواجه بدوره تحديات تتعلق بمستوى الوعي السياسي وتأثير رجال الدين والعشائر والقيادات القومية في خيارات الناخبين، معتبراً أن هذه العوامل تؤثر في طبيعة المشاركة السياسية.
وكشف الهنداوي أن نسبة المشاركة في الانتخابات العراقية شهدت تراجعاً كبيراً منذ الانتخابات الأولى التي أُجريت بعد عام 2003، مشيراً إلى أن المشاركة بلغت نحو 72% في الانتخابات الأولى، مقابل نحو 25% في الانتخابات الأخيرة التي تناولها الحوار.
وأضاف أن هذا التراجع يرتبط، في تقديره، باكتشاف قطاعات من المجتمع العراقي طبيعة الممارسات السياسية التي أثرت في التجربة الديمقراطية.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تتمثل في انحسار الثقة بالقوى السياسية، وليس في رفض العراقيين لمبدأ اختيار ممثليهم عبر الانتخابات، لافتاً إلى أن المواطنين يتطلعون إلى نظام ديمقراطي يسمح لهم بانتخاب من يرونه مناسباً، ومؤكداً أن تغيير قوانين الانتخابات مرات عديدة يعكس حجم الإشكاليات التي تحيط بالعملية السياسية ويؤثر في استقرار قواعد المنافسة.
وفصل الهنداوي أن التجربة الانتخابية في العراق تواجه أربع مشكلات أساسية، تتمثل في قانون الانتخابات والمال السياسي والسلاح المنفلت، إلى جانب سيطرة بعض المؤسسات ذات النفوذ الاقتصادي والإعلامي على المشهد السياسي.
ولفت إلى أن بعض الجهات تمتلك بنوكاً ومؤسسات إعلامية وأحزاباً سياسية، وهو ما يمنحها، وفق تقديره، قدرة كبيرة على التأثير في المنافسة الانتخابية والتحكم في مساراتها.
وشدد على أن سلامة الإجراءات الانتخابية من الناحية الشكلية لا تكفي لضمان نزاهة العملية برمتها، موضحاً أن الممارسات المرتبطة بشراء الأصوات والذمم والتلاعب يمكن أن تفرغ الانتخابات من مضمونها الديمقراطي.
وأشار إلى أن إصلاح قانون الانتخابات وحده لا يعالج جميع أوجه الخلل، ما لم يتزامن مع الحد من تأثير المال السياسي والسلاح خارج إطار الدولة، وضمان عدم استغلال المؤسسات الاقتصادية والإعلامية لتحقيق مكاسب حزبية.
وأكد الهنداوي أن إصلاح التجربة الديمقراطية واستعادة ثقة العراقيين يتطلبان معالجة أوجه الخلل في العملية الانتخابية، وتوفير منافسة عادلة تضمن تمكين الناخب من اختيار ممثليه بحرية بصورة حقيقية بعيداً عن الضغوط والتأثيرات التي تشوه النتائج.
الهوية الوطنية
وأشار الهنداوي إلى أن المجتمع العراقي شهد تطوراً في التمسك بالهوية الوطنية، مع تراجع محاولات فرض مشاريع سياسية تقوم على الانفصال أو إقامة دولة دينية، لافتاً إلى أن التجارب السابقة أسهمت في تعزيز النقاش بشأن طبيعة الدولة العراقية ومستقبلها.
وأضاف أن انتفاضة أكتوبر عام 2019 عكست، وفق رؤيته، رغبة لدى قطاعات واسعة من الشباب العراقي في تغيير الواقع السياسي، بمشاركة مواطنين من خلفيات طائفية ومجتمعية مختلفة.
وأكد أن الهوية العراقية لا ينبغي أن تظل مجرد شعارات أيديولوجية أو حماسية، وإنما يجب أن تستند إلى انتماء وطني مشترك يعترف بتنوع المجتمع ويحافظ على وحدة الدولة.
ولفت إلى أن التجربة العراقية شهدت محاولات متعددة لإعادة طرح مسألة الهوية، سواء من خلال الدعوات القومية أو الطائفية أو مشروعات الانفصال، لكنه يرى أن التمسك بالهوية الوطنية أصبح أكثر حضوراً في المجتمع.
وبيّن الهنداوي أن تعزيز هذه الهوية يرتبط أيضاً بترسيخ النظام المدني والديمقراطية والانتخابات، بما يتيح لجميع المكونات العراقية المشاركة في إدارة الدولة على أساس المواطنة والانتماء إلى العراق.
البعد العربي
أكد الهنداوي أن العراق بلد عربي، موضحاً أن الأغلبية السكانية فيه عربية، مع وجود مكونات قومية وإثنية أخرى تشكل جزءاً من المجتمع العراقي وتاريخه.
وأضاف أن الحديث عن الهوية العربية للعراق لا يتعارض مع الاعتراف بوجود أمة عراقية ذات خصوصية وطنية، تضم مكونات متعددة تتشارك في الانتماء إلى الدولة.
وأوضح أن صياغة الهوية العراقية ارتبطت تاريخياً بمحاولات بناء دولة تجمع مكونات المجتمع المختلفة، مشيراً إلى أن مفهوم "الأمة العراقية" برز في مرحلة تأسيس الدولة الحديثة بوصفه تعبيراً عن خصوصية التجربة العراقية.
وذكر أن محاولات إقامة وحدة عربية شاملة بقرارات سياسية من الأنظمة الحاكمة واجهت صعوبات تاريخية، معتبراً أن التعاون العربي يمكن أن يتطور عبر مجالات عملية متعددة بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات السياسية.
ولفت الهنداوي إلى أن مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم وغيرها من المجالات الإنسانية تتيح فرصاً واسعة لتعزيز التعاون بين الدول العربية، مشيراً إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه جامعة الدول العربية في دعم هذا التعاون وتطويره.