أنهت القوات التابعة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة مهمتها العسكرية في العراق، بعد أكثر من عقد على بدء انتشارها لمواجهة تنظيم داعش، في خطوة أعادت ملف السيادة العراقية إلى الواجهة، وفتحت مرحلة جديدة من العلاقات الأمنية الثنائية بين بغداد والدول المشاركة في التحالف، بالتزامن مع نقاش داخلي متواصل حول مستقبل الفصائل المسلحة ودور السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وأعلن العراق أن آخر عناصر التحالف سيغادرون البلاد، الأربعاء، بعد انسحاب تدريجي من القواعد العسكرية واقتصار الوجود في المرحلة الأخيرة على إقليم كردستان شمالي البلاد، فيما كانت بغداد وواشنطن قد اتفقتا في 2024 على إنهاء مهمة التحالف والانتقال إلى شراكات ثنائية، بعد هزيمة داعش عسكريًا داخل العراق عام 2017، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية ووكالة الأنباء العراقية.
نهاية المهمة
بدأ التحالف الدولي مهمته في العراق وسوريا عام 2014، بعدما سيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلدين ونفذ عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة، فيما شاركت قوات التحالف والقوات العراقية وفصائل مسلحة مدعومة من إيران في قتال التنظيم باعتباره عدوًا مشتركًا، قبل أن يؤدي تراجع التهديد الذي مثّله إلى تحول وجود القوات الأجنبية إلى مصدر خلاف سياسي وأمني داخل العراق.
وأعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية اللواء يحيى رسول، عدم وجود أي عنصر من التحالف الدولي داخل البلاد بعد 30 سبتمبر، مؤكدًا أن الانسحاب جاء ثمرة جهود عراقية كبيرة، ومشيرًا إلى أن القوات العراقية هي التي حررت الأراضي بدعم من التحالف، فيما شدد على أن المؤسسات الأمنية والاستخبارية باتت أكثر قدرة على مواجهة التهديدات، وأن الحدود العراقية أصبحت مؤمنة بمعدات وأنظمة متطورة.
البنتاجون يعلن إنهاء مهمة التحالف
كما أعلن البنتاجون، اليوم، انسحاب التحالف الدولي من قاعدة أربيل، بما يُمثّل ختام المهمة التي هزمت داعش، وإعلان ختام عملية "العزم الصلب" في العراق بشكل رسمي، مؤكدًا في الوقت نفسه تقديم تدريب موجَّه ودعم مخابراتي للشركاء العراقيين.
كما قال البنتاجون، أن الولايات المتحدة والتحالف الدولي أكملا رسميًا عملية الانسحاب من العراق، فيما أشارت إلى أن قوات الأمن العراقية ستقود الجهود المستمرة لإبقاء فلول "داعش" تحت السيطرة.
وأشارت إلى أن "وزارة الحرب ستواصل تقديم تدريب موجّه ودعم استخباراتي لشركائنا العراقيين"، مبينة أن "قوات الأمن العراقية ستقود الجهود المستمرة لتأمين العراق وإبقاء فلول "داعش" تحت السيطرة".
وأضافت أن "الانسحاب المنظم لقوات ومعدات التحالف الدولي من قاعدة أربيل الجوية يمثل ختام المهمة العسكرية".
تعزيز السيادة
أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن اليوم التالي لانتهاء مهمة التحالف، الموافق الأول من أكتوبر، سيُعتمد مناسبة وطنية تحت اسم "يوم السيادة"، في خطوة هدفت إلى إبراز انتقال العراق إلى مرحلة يؤكد فيها بصورة أكبر سيطرة مؤسسات الدولة على القرار الأمني والعسكري، بينما أعلنت الرئاسات الثلاث أن مغادرة القوات الأجنبية يجب أن تترافق مع معالجة مسألة السلاح الموجود خارج سلطة الدولة وفق الجداول الزمنية التي تضعها الحكومة.
وأوضح المستشار الأمني لرئيس الوزراء قاسم الأعرجي، أن إنهاء مهمة التحالف يُمثّل محطة مهمة في مسار بدأ عبر مفاوضات وتفاهمات منذ يوليو 2021، مشيرًا إلى أن العراق ينتقل من العلاقة القائمة على مهمة عسكرية للتحالف إلى علاقات ثنائية مع الدول المشاركة فيه، مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري وتبادل المعلومات والخبرات وبناء قدرات القوات العراقية، بما يخدم المصالح الوطنية ويدعم الاستقرار على المدى الطويل.
وأعاد الأعرجي التأكيد على أن القضاء على داعش تحقق بفضل تضحيات العراقيين وقواتهم المسلحة، إلى جانب إسناد التحالف الدولي ودول أخرى، معتبرًا أن انتهاء المهمة لا يعني انتهاء الشراكة، وإنما إعادة تنظيمها على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهو ما يعني استمرار التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والتدريب وتبادل المعلومات حتى مع غياب القوات القتالية التابعة للتحالف.
ملف الفصائل
واجهت الحكومة العراقية بعد إعلان الانسحاب تحديًا أكثر تعقيدًا يتعلق بالفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، إذ ترى بغداد أن انتهاء المهمة الأجنبية يزيل الذريعة التي استخدمتها جماعات مسلحة قوية للاحتفاظ بترسانتها، بينما تطالب الحكومة بأن يصبح السلاح حصرًا بيد مؤسسات الدولة، في وقت لا تزال فيه بعض الفصائل ترفض التخلي عن أسلحتها بصورة كاملة وتطرح شروطًا مرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة.
وأعلنت الحكومة العراقية، في وقت سابق، أن 30 سبتمبر سيكون موعدًا للتوصل إلى ترتيبات بشأن السلاح خارج مؤسسات الدولة، قبل أن تتراجع عن فرض مهلة نهائية مع استمرار المفاوضات، بينما طالبت فصائل مسلحة بإنهاء أي تدخل سياسي واقتصادي أمريكي إلى جانب انسحاب القوات الأجنبية، ما جعل مسألة تنظيم السلاح مرتبطة أيضًا بطبيعة العلاقة المستقبلية بين بغداد وواشنطن.
وهددت كتائب حزب الله، إحدى أبرز الفصائل المسلحة، حكومة الزيدي بأنها لن تتسامح مع ما وصفته بحكومة لا تعمل لمصلحة العراقيين، رغم ترحيبها بانسحاب القوات الأجنبية واعتباره خطوة نحو استكمال السيادة، فيما كشفت هذه المواقف أن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني بالضرورة انتهاء الخلاف حول طبيعة نفوذ الفصائل المسلحة داخل النظام الأمني والسياسي العراقي.
مرحلة جديدة
استعدت القوات العراقية لتحمل المسؤوليات الأمنية بصورة أكبر بعد رحيل التحالف، إذ أكد المتحدث العسكري أن سلاح الجو العراقي ينفذ الضربات ضد الأهداف الإرهابية باستخدام طائرات أمريكية وفرنسية وكورية وتشيكية، كما أوضح أن قاعدة فكتوريا ستستخدمها القوات العراقية لتأمين سماء البلاد وأراضيها، مشدداً على عدم وجود طائرات تابعة للتحالف داخل القاعدة.
وأبدى سكان أربيل، عاصمة إقليم كردستان، مخاوف من الفراغ الذي قد يتركه رحيل منظومات الاعتراض التابعة للتحالف، خصوصًا بعدما تعرض الإقليم خلال الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط لهجمات متكررة بالطائرات المُسيّرة، بينما تستمر السلطات العراقية في التأكيد على أن الأجهزة الوطنية باتت قادرة على إدارة الأمن ومواجهة التهديدات من دون وجود قوات أجنبية على الأرض.
وأعاد انتهاء مهمة التحالف في العراق تشكيل علاقة استمرت لأكثر من عشر سنوات، إذ انتقل البلد من مرحلة الحرب المفتوحة على داعش إلى مرحلة تركز على تعزيز مؤسسات الدولة وتوسيع قدراتها الأمنية، بينما لم يعد التحدي الأساسي مرتبطًا بوجود التنظيم في المدن والبلدات، بقدر ما يتعلق بمن يملك القرار العسكري وكيفية ضبط السلاح، إلى جانب قدرة العراق على الحفاظ على التعاون الدولي من دون العودة إلى نموذج الانتشار العسكري السابق.