كشف السفير الأمريكي في بكين ديفيد بيرديو أن الرئيس دونالد ترامب عرض على نظيره الصيني شي جين بينج شراء أسلحة أمريكية، وذلك في الوقت الذي تتجمد فيه صفقة دفاعية بقيمة 14 مليار دولار كانت مقررة لتايوان، في حين أن هذا الكشف الذي أوردته تقارير أجنبية يفتح باب التساؤلات عن حقيقة التوجه الأمريكي في أكثر بقاع العالم توترًا.
عرض غير مسبوق لخصم إستراتيجي
في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، أفصح بيرديو بصراحة لافتة عن أن ترامب سأل شي جين بينج مباشرةً إن كانت بلاده تود اقتناء أسلحة أمريكية، موضحًا أن الرئيس دأب على التذكير بأن واشنطن تبيع أسلحتها لدول شتى حول العالم.
وبينما أحجم السفير عن الإفصاح عن توقيت هذا العرض، إن كان جرى خلال قمة الأسبوع الماضي أم في لقاء بكين في مايو الماضي، فإنه لم يكشف أيضًا عن رد الزعيم الصيني.
ما يجعل هذا العرض بالغ الحساسية، وفق ما رصدته صحيفة نيويورك تايمز، أن الصين تحتل مكانة الخصم الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، فضلًا عن أن شركاتها الدفاعية تزوّد روسيا وإيران بمعدات ذات استخدام مزدوج وصور أقمار اصطناعية، وأن القانون الأمريكي يحظر أصلًا بيع الأسلحة لبكين.
وسرعان ما تداركت الإدارة الأمريكية الموقف بالتأكيد أنه "لا توجد خطط لبيع أسلحة للصين"، فيما أصدرت وزارة الخارجية بيانًا يؤكد أن "القانون الأمريكي يحظر هذه المبيعات وليس ثمة عرض أو خطة لتنفيذها".
أصوات منتقدة
لم يتأخر خبراء الأمن في الرد، إذ وصف زاك كوبر من معهد أمريكان إنتربرايز الأمر بأنه "مثير للذهول"، مستغربًا كيف يُحجم ترامب عن تسليح تايوان بينما يعرض الأسلحة على الصين في آنٍ واحد.
وذهب دينيس وايلدر، المستشار الأسبق لشؤون آسيا في إدارة جورج بوش الابن، إلى أن ترامب ربما أراد استفزاز شي تذكيرًا بتفوق الترسانة الأمريكية، لكنه حذر من أن حتى المزاح في هذا الملف الحساس "قد يُضاعف الشكوك الموجودة أصلًا حول جدية الرئيس في التعامل مع التهديد العسكري الصيني".
وعلى المنوال ذاته، كتب رايان هاس، المدير السابق لملف الصين في مجلس الأمن القومي والمسؤول الحالي في معهد بروكينجز، أن هذا الإفصاح يضع حدًا لأي غموض حول رؤية ترامب للصين بوصفها تهديدًا أمنيًا، مضيفًا أن العرض "سيزعزع استقرار حلفاء واشنطن على الخطوط الأمامية في مواجهة بكين"، في إشارة إلى اليابان والفلبين وتايوان.
تايوان في الانتظار وصفقة معلقة بلا أفق
تشير صحيفة فاينينشال تايمز إلى أن هذه التطورات تتقاطع مع ملف شائك لا يقل حساسية، إذ إن صفقة الأسلحة المقررة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، والتي أعدها مسؤولو الخارجية وحازت موافقة الكونجرس مطلع العام الجاري، لا تزال حبيسة الأدراج.
ووفق ما كشفته نيويورك تايمز، أبدى ترامب في مايو الماضي أنه يرى في هذه الصفقة "ورقة تفاوضية جيدة" مع بكين، وهو ما أكده بيرديو ضمنيًا حين أشار إلى أن ترامب وشي يتناولان هذا الملف "في كل لقاء يجمعهما"، وهو توصيف يتعارض مع وثيقة أمريكية صينية من عام 1982 تنص صراحةً على أن واشنطن لن تُشاور بكين في مسألة مبيعات الأسلحة لتايوان.
وحين سُئل ترامب عن هذا الالتزام، رد ببساطة: "الثمانينيات كانت منذ زمن بعيد جدًا".
في المقابل، سعى بيرديو إلى تهدئة المخاوف بالتذكير بأن ترامب أجاز في ديسمبر الماضي مبيعات لتايوان بقيمة 11.1 مليار دولار، متجاوزًا ما وافق عليه بايدن في أربع سنوات كاملة، وأن إدارته صادقت على ما يزيد على 50 بالمئة أكثر من أي رئيس أمريكي منذ عام 1979.
ومن تايبيه، عبّر الممثل الفعلي لتايوان في واشنطن ألكسندر يوي لشبكة سي بي إس، عن أمله في الحصول على الصفقة "في أقرب وقت ممكن"، مؤكدًا ثقته أن موقف واشنطن من تايوان لم يتغير.
لقاءات مرتقبة وأسئلة معلقة
مع إعلان ترامب أنه سيلتقي شي مجددًا في الصين خلال نوفمبر المقبل، وأن الزعيم الصيني سيزور واشنطن في ديسمبر لقمة متعددة الأطراف، يرجح المحللون أن أي إفراج عن صفقة الأسلحة التايوانية قبل نهاية العام بات شبه مستبعد حرصًا على عدم استفزاز بكين.
وبينما يواصل وزير الخارجية روبيو الحديث عن مراجعة الصفقة في ضوء احتياجات الصناعة الدفاعية الأمريكية، يبقى التناقض قائمًا بين هذه الحجة وعرض ترامب ذاته بيع تلك الأسلحة للصين، وهو تساؤل لم تجب عنه الإدارة.