تواجه الحكومة البريطانية ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتداعياتها على التضخم وأسعار الفائدة والمالية العامة، في وقت تضيق فيه مساحة المناورة أمام صانعي السياسات قبيل إعداد الموازنة، ويزيد ارتفاع أسعار النفط من مخاطر استمرار الضغوط التضخمية، بينما تترقب الأسواق قرارات بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة، وسط مخاوف من انعكاسات الأزمة على النمو والإنفاق الحكومي.
وصلت موجة ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أبواب الحكومة البريطانية في توقيت بالغ الحساسية، لتزيد الضغوط على الأسر، وتهدد بإعادة إشعال التضخم، وتدفع بنك إنجلترا إلى التفكير مجددًا في أسعار الفائدة، بينما تستعد الخزانة لموازنة تجد فيها هامش المناورة أضيق من أي وقت مضى.
فرضت القفزة الجديدة في أسعار النفط مزيدًا من الضغوط على صانعي السياسات في بريطانيا قبل موازنة وزير الخزانة جون هيلي المقررة الشهر المقبل، بعدما رفعت تكاليف الطاقة مخاطر التضخم وزادت كلفة الاقتراض الحكومي، في وقت حاولت فيه الحكومة تقديم صورة متفائلة بشأن آفاق الاقتصاد، بينما بدأت الخزانة إعداد خيارات لدعم المستهلكين إذا استمر ارتفاع الأسعار وانعكس على فواتير الطاقة خلال الشتاء المقبل.
وأظهرت التطورات أن الحكومة أصبحت تملك "هامشًا أقل" للمناورة مقارنة بالشهر الماضي، بعدما ارتفع سعر خام برنت بنحو 5% إلى 108 دولارات للبرميل، في ظل تقارير عن تجدد التوترات في الشرق الأوسط، بينما حذر مسؤولون من أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يرفع سقف أسعار الطاقة في يناير المقبل بنسبة كبيرة، بحسب "الجارديان" البريطانية ووكالة "رويتر".
دعم الأسر
أعدت الحكومة البريطانية مجموعة من الخيارات للتعامل مع الضغوط التي قد تواجه الأسر، خصوصًا في حال استمر ارتفاع أسعار النفط والغاز لفترة طويلة وانتقلت تكاليفه إلى سقف أسعار الطاقة خلال الربع الأول من العام المقبل، لكن المسؤولين استبعدوا، على ما يبدو، العودة إلى برنامج الدعم الشامل والمكلف الذي أطلقته حكومة ليز تراس عام 2022، بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض وضيق المجال المالي أمام الخزانة.
ودرست الحكومة إمكانية نقل مزيد من الإعانات الخضراء إلى الضرائب العامة، في نهج يشبه ما اتبعته راشيل ريفز، كما بحثت توجيه المساعدات بصورة أكثر تركيزًا إلى الأسر الأفقر، إلا أن بعض المسؤولين أبدوا شكوكًا بشأن مدى قدرة الحكومة على ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، في ظل تعقيدات استهداف المستفيدين وتجنب تقديم أموال إلى شرائح لا تحتاج إليها بالقدر نفسه.
وأثرت أسعار النفط المرتفعة كذلك في تكاليف النقل والتصنيع والأسمدة وسلاسل الإمداد، ما زاد خطر انتقال الصدمة من قطاع الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى، بينما تواجه الحكومة بالفعل ضغوطًا مرتبطة بتكلفة المعيشة، الأمر الذي جعل أي حزمة جديدة لدعم المستهلكين أكثر حساسية بالنسبة إلى الخزانة قبل إعلان الموازنة.
خطر الفائدة
رفعت التطورات في أسواق الطاقة أيضًا احتمالات زيادة أسعار الفائدة في بريطانيا، بعدما أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75% في اجتماعه الأخير، بينما أشار إلى أن سقف أسعار الطاقة قد يرتفع بما يصل إلى 24% في بداية العام المقبل، وهو ما قد يزيد الضغوط على الأسر التي تواجه بالفعل ارتفاع تكاليف المعيشة والرهن العقاري.
وحذرت كلير لومبارديلي، نائبة محافظ بنك إنجلترا والمسؤولة عن السياسة النقدية، من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول سيزيد احتمالات تراكم آثارها غير المباشرة، بما يشمل تغير توقعات التضخم والمفاوضات بشأن الأجور وسلوك الشركات في تحديد الأسعار، وقالت إن السياسة النقدية قد تحتاج إلى التشديد إذا استمرت الأسعار المرتفعة من دون ظهور أدلة واضحة على تراجع التضخم أو ضعف النشاط الاقتصادي.
وأوضحت لومبارديلي أن البنك لا يتعامل بصورة آلية مع كل ارتفاع في أسعار الطاقة، وإنما يراقب الطريقة التي تنتقل بها الصدمة إلى الاقتصاد المحلي، مؤكدة أن القضية الأساسية تتمثل في التفاعل بين الاقتصاد وأسعار الطاقة وكيفية انتقال أثرها إلى الأجور والأسعار، وهو ما سيحدد في النهاية ما إذا كان سعر الفائدة بحاجة إلى الارتفاع.
وأضافت أن نمو الأجور عند نحو 3.25% يمكن أن يتوافق على المدى الطويل مع هدف التضخم البالغ 2%، بافتراض نمو الإنتاجية بنسبة 1% واستقرار نسبي في أسعار الواردات، لكنها حذرت من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يغيّر هذه المعادلة من خلال زيادة تكلفة الواردات ورفع الضغوط التضخمية.
كلفة الاقتراض
رفعت توقعات التضخم وزيادة الفائدة عوائد السندات الحكومية في الأسواق العالمية، ما زاد كلفة الاقتراض بالنسبة إلى الحكومة البريطانية، إذ ارتفع العائد على السندات البريطانية لأجل عشر سنوات إلى 5.39%، مقتربًا من أعلى مستوى له في 19 عامًا، وهو تطور يضغط بصورة مباشرة على قدرة الخزانة على تمويل الإنفاق والاستثمار.
وأضعفت الزيادة في عوائد السندات كذلك الهامش المالي المتاح للحكومة للالتزام بقواعدها المالية، إذ قدر محللون أن الارتفاعات الأخيرة في تكاليف الاقتراض محَت أكثر من نصف هامش الـ24 مليار جنيه إسترليني الذي كانت راشيل ريفز قد احتفظت به في مارس لمواجهة المخاطر والاضطرابات الاقتصادية المحتملة.
وزادت كلفة الاقتراض في الوقت نفسه من صعوبة تقديم مساعدات واسعة للأسر، لأن أي إنفاق إضافي يحتاج إلى التمويل في وقت أصبحت فيه الحكومة تدفع بالفعل مزيدًا من الأموال لخدمة الدين، بينما تؤثر الفائدة المرتفعة أيضًا في تكلفة المشروعات الحكومية والاستثمارات العامة، وتدخل في الحسابات التي يجريها مكتب مسؤولية الموازنة لتحديد مدى التزام الحكومة بقواعدها المالية.
وأبقت الحكومة لذلك على نبرة حذرة بشأن حجم الإجراءات التي يمكن أن تتخذها في الموازنة، إذ تعهد هيلي بالالتزام بالقواعد المالية مع الاحتفاظ "بهامش أمان لمواجهة عدم اليقين"، لكن مسؤولين أقروا بأن هذا الهامش سيكون على الأرجح أقل بكثير من 24 مليار جنيه إسترليني، ما قد يفرض خيارات صعبة إذا أرادت الخزانة إعادة بناء احتياطيها المالي.
اختبار الموازنة
أدخلت موجة بيع السندات العالمية عاملًا إضافيًا في الحسابات البريطانية، بعدما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى 5.17%، وهو أعلى مستوى منذ 2007، في وقت أثارت فيه الأسواق مخاوف بشأن استمرار التضخم ومستويات الدين والإنفاق الحكومي في الاقتصادات الكبرى، إلى جانب تأثير الاضطرابات الجيوسياسية في أسعار الطاقة.
وارتبطت الضغوط البريطانية بصورة مباشرة باستمرار الحرب في الشرق الأوسط وعدم وضوح موعد انتهائها، إذ لم يقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤشرات واضحة بشأن كيفية أو توقيت إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بينما أدى استمرار الصراع إلى إبقاء أسواق الطاقة العالمية تحت الضغط ورفع مخاطر بقاء أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة.
وحذر بنك إنجلترا من أن طول أمد صدمة الطاقة سيكون عاملًا أساسيًا في تحديد مسار الفائدة، إذ قالت نائبة المحافظ سارة بريدن إن صدمة الأسعار كلما كانت أكبر وأطول، زادت احتمالات ظهور آثار إضافية يتعين على السياسة النقدية التعامل معها، فيما أشار المحافظ أندرو بيلي إلى أن قرار رفع الفائدة لا يزال مفتوحًا ولا توجد نتيجة محسومة مسبقًا.
ورجّحت الأسواق المالية الخميس الماضي احتمالًا يقارب 75% لرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماعه المقبل في نوفمبر، وهو ما يعني أن الحكومة قد تدخل الموازنة في بيئة مالية أكثر تشددًا، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة أعباء الرهن العقاري واحتمال استمرار الضغوط على الأسر.