استغرقت النجمة الأسترالية نعومي واتس سنوات طويلة قبل أن تتمكن من ترسيخ مكانتها في عالم السينما، إذ مرت خلال بدايات مسيرتها الفنية برحلة شاقة تخللتها فترات طويلة من التعثر والركود المهني، قبل أن يأتي المخرج ديفيد لينش ليمنحها الفرصة التي غيّرت مسارها الفني.
وخلال مشاركتها في مهرجان زيورخ السينمائي، حيث تسلمت جائزة "العين الذهبية"، استرجعت واتس ذكريات السنوات الأولى من مسيرتها، متحدثة بصراحة عن الصعوبات التي واجهتها وعن حالة انعدام الثقة التي لازمتها لفترة طويلة.
وقالت واتس: "لقد كانت رحلة شاقة ومضنية. ففي السنوات العشر التي سبقت لقائي بديفيد، انغلقت على نفسي تمامًا وشعرت بانعدام القيمة. ذات مرة، أخذتني وكيلة أعمالي جانبًا وقالت لي: "علينا أن نتحدث بصراحة تامة ومن القلب؛ يا عزيزتي، أنتِ تبدين متوترة ومشدودة الأعصاب بشكل مبالغ فيه، لدرجة أنك تثيرين قلق الناس وتخيفينهم". فرددت عليها قائلة: بالطبع، وهل في الأمر شك؟ لقد كنت يائسة! كنت متأخرة في سداد الإيجار ومهددة بالطرد من منزلي، ولم أكن أعرف ما الذي يمكنني تقديمه أو كيف أتصرف خلال تلك اللقاءات".
وأوضحت واتس أن محاولاتها المستمرة للتكيف مع ما يطلبه منها الآخرون جعلتها تفقد إحساسها بذاتها، قائلة: "قالوا لي إنني لم أكن مضحكة في الأسبوع الماضي، لذا أحاول الآن أن أكون مضحكة. وقالوا لي إنني لست جذابة، فأنا أحاول أن أكون جذابة. إنك تعيد تشكيل نفسك وتحاول استشعار النبرة المطلوبة؛ هكذا سارت الأمور، ولم يعد بإمكاني أن أكون على طبيعتي. كنت إما نسخة متطرفة من نفسي أو نسخة باهتة ومخففة منها. تطلب الأمر عبقريًا مثل ديفيد لينش ليرى ما وراء كل تلك الغرابة التي تراكمت حولي، ويفككها، ويصل إلى حقيقتي".
ومع ذلك، أشارت واتس إلى أن قدرتها على التكيف، التي اكتسبتها نتيجة كثرة التنقل خلال طفولتها، لعبت دورًا مفيدًا في مسيرتها، موضحة أن علاقتها بالتمثيل لم تكن قائمة على الرغبة في الشهرة بقدر ما كانت نابعة من شغف حقيقي بالمهنة وبالشخصيات التي تجسدها.
وقالت: "عليك أيضًا أن تدركي سبب حبك لهذا المجال؛ هل تخوضينه للأسباب الصحيحة؟ لم يكن هدفي مجرد الشهرة، بل كنت أعشق الانغماس في تلك الشخصيات، لقد كنت شغوفة حقًا ومستمرة في البحث والتقصي - وما زلت كذلك - فدائمًا هناك المزيد لنتعلمه".
وخلال حفل تكريمها في مهرجان زيورخ السينمائي، عادت واتس بالذاكرة إلى السنوات الأولى الصعبة التي حاولت خلالها شق طريقها كممثلة ناجحة، وهي الفترة التي تخللتها فترات طويلة من الركود المهني وعدم الاستقرار.
وقالت: "ثم، ولحُسن الحظ، التقيت بديفيد لينش في أواخر العشرينيات من عمري، وكان هو من غيّر مساري المهني".
ويُنظَر إلى فيلم "Mulholland Drive" على نطاق واسع باعتباره نقطة الانطلاق الحقيقية لمسيرة واتس الفنية، بعدما منحها دورًا رئيسيًا لفت الأنظار إليها وأثبت قدرتها على تقديم أداء استثنائي.
وقالت واتس: "لقد منحني ذلك الفيلم دورًا مذهلًا ترك أثرًا عميقًا في نفوس الناس؛ فما زالوا يشاهدونه حتى يومنا هذا، ولا يزال يُدرج ضمن قوائم أفضل الأفلام. أنا فخورة للغاية بكوني جزءًا من هذا العمل".
وخلال جلسة نقاشية متخصصة "ماستر كلاس" ضمن فعاليات المهرجان، كشفت واتس أيضًا عن الدور الذي لعبته النجمة نيكول كيدمان في تشجيعها خلال تلك المرحلة من حياتها المهنية.
وأوضحت واتس أن كيدمان قالت لها: "يكفي أمر واحد فقط؛ شيء واحد قد يغير كل شيء". وأضافت: "لم يكن هذا الكلام منطقيًا بالنسبة لي لفترة طويلة، حتى جاء ديفيد لينش، وحينها أصبحت تلك المقولة حقيقة ملموسة".
وبعد النجاح الذي حققته في "Mulholland Drive"، انتقلت واتس مباشرة إلى بطولة فيلم الرعب الكلاسيكي "The Ring"، وهو العمل الذي شكّل محطة مهمة أخرى في مسيرتها.
وكشفت واتس أنها حاولت في البداية رفض الدور، قائلة: "حاولت أن أرفض الدور؛ فلا يوجد يقين مطلق بشأن أي شيء تقوم به على الإطلاق".
وأضافت: "كان وكلاء أعمالي متحمسين للأمر، لكنني قلت: "انتظروا. لقد نلت للتو إشادة نقدية، فهل أريد الانتقال فورًا إلى فيلم ضخم من أفلام هوليوود التجارية؟! لقد جادلت وكيل أعمالي حينها؛ لم أكن أعلم أنه سيحقق نجاحًا هائلًا! لقد ساهم الفيلم في إحياء نوع أفلام الرعب بطريقة ما، لقد كانت فرصة محظوظة للغاية".
كما حظيت واتس بإشادات واسعة عن أدائها في فيلم "21 Grams"، مستعيدة أجواء التصوير المكثفة التي تطلبت منها العمل في ظروف نفسية وجسدية شاقة.
وقالت: "قد تحدث أمور استثنائية عندما تشعر بالتعب والضيق نتيجة تكرار القيام بالأشياء مرارًا وتكرارًا".
وأشارت واتس إلى أن مجموعة من الموضوعات الإنسانية العميقة تتكرر في الأعمال التي تختارها، وفي مقدمتها الحزن والهوية، موضحة أن اهتمامها بهذه الموضوعات يرتبط إلى حد كبير بتجاربها الشخصية خلال طفولتها.
وقالت: "إذا كان هناك تيمة أو موضوع متكرر في أعمالي، فهو الحزن، وهذا هو سبب قيامي بما أفعله: فأنا أحاول اكتشاف معنى حياتي. وهناك موضوع آخر هو الهوية؛ إذ أحب القصص التي تطرح سؤال: مَن أنت؟ وينبع هذا الاهتمام أيضًا من تنقلي المستمر في طفولتي؛ فقد كنت دائمًا على هامش المجموعة، أحاول شق طريقي للاندماج معهم".
ويتناول أحدث أدوار واتس، في فيلم "The Housewife" للمخرج بن شيرينيان، القضية نفسها من زاوية مختلفة. ففي الفيلم، الذي تدور أحداثه خلال حقبة الستينيات، تؤدي واتس شخصية ربة منزل تبدو مثالية أمام الآخرين، لكنها تخفي وراء صورتها المثالية ماضيًا مروعًا يعود إلى فترة ما بعد الحرب.
وقالت واتس عن الشخصية: "لم يسبق لي أن لعبت دورًا كهذا من قبل، رغم أنني أبحث دائمًا عن أدوار لنساء يعانين من عيوب، ولا أخشى تجسيد شخصيات قد لا تحظى بقبول الجمهور؛ لكن هذه الشخصية كانت استثنائية في تطرفها".
وأضافت: "كنت أدرك تمامًا طبيعة الدور الذي أقبل عليه، وعلمت أنه سيكون تجربة شاقة ومؤثرة تلازمني ذكراها؛ فشخصية كهذه تطاردك حتى في أحلامك ليلًا".
وفي ختام الجلسة الحوارية، تحدثت واتس بصراحة عن علاقتها بنظرة الآخرين إليها، مؤكدة أنها احتاجت إلى سنوات طويلة حتى تتوقف عن إعطاء آراء الآخرين أهمية تفوق ما ينبغي.
وقالت: "إن إظهار الضعف الإنساني يُعد قوة خارقة. لقد استغرقني الأمر وقتًا طويلًا لأدرك هذه الحقيقة وأتقبلها كجزء مني. ليتني تعلمت في وقت أبكر أن أكون على طبيعتي وألا أبالغ في السعي لإرضاء الآخرين. هناك أشخاص يولدون وهم يتمتعون بهذا القدر من الثقة بالنفس، أما أنا فلم أكن يومًا من ذلك النوع".
واختتمت واتس حديثها بالإقرار بأن الشك في الذات لا يزال جزءًا من تجربتها، لكنها لم تعد تنظر إليه باعتباره نقطة ضعف يتعين إخفاؤها، بل تحاول التعامل معه باعتباره جانبًا يمكن الاستفادة منه.
وقالت: "لا يزال يساورني الكثير من الشك في الذات، لكنني لا أتظاهر بأن هذا الأمر غير موجود؛ بل أحاول النظر إليه باعتباره هبة، فهذا النهج أكثر فاعلية بكثير من مجرد محاولة تجاوز الأمور بالخداع أو الكلام الفارغ".