الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تديرها شبكات منظمة.. التبغ المهرب يسيطر على الأسواق الأسترالية

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

تحولت أستراليا إلى نموذج فريد من نوعه في التناقض الصحي والاقتصادي، إذ كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، أن السوق السوداء للسجائر باتت تستحوذ على 80% من إجمالي النيكوتين المستهلك بالبلاد، في مفارقة صارخة تضع الدولة الأكثر صرامةً في مكافحة التدخين عالميًا أمام أزمة تهريب غير مسبوقة تقودها شبكات الجريمة المنظمة.

حين تتحول البقالة إلى نقطة تهريب

رصدت الصحيفة الفرنسية في تحقيقها الميداني بقالة صغيرة في أحد شوارع سيدني المزدحمة، رفوفها شبه خاوية لكن زبائنها لا ينقطعون، ويتجهون جميعاً نحو الكاونتر حيث تنتظرهم ورقة مكتوبة بخط اليد تعرض أسعار السجائر.

عند كل طلب، تتوارى البائعة خلف باب المخزن الخلفي لتعود ومعها العلبة، تُسلَم نقداً وبأسعار تقل كثيراً عن نظيراتها في المحال المرخصة.

وتُقر إحدى العاملات أن ما يجري مخالف للقانون، موضحةً للوموند: "لسنا فخورات بذلك، لكن مبيعات السجائر المهربة هي التي تُبقي هذا المحل مفتوحاً."

ولا يقتصر هذا المشهد على بقالة بعينها، إذ يتكرر في محلات التبغ والبقالات وبعض محطات الوقود عبر المدينة، حيث تكفي كلمة "رخيص" لإتمام الصفقة.

وأفادت أم لطفلين رفضت الكشف عن هويتها للصحيفة الفرنسية بأنها تحصل على سجائرها بثلث السعر الرسمي، معلقة: "لا أسأل عن مصدرها ولا عن جودتها، لكن الاختيار الاقتصادي لا يحتاج إلى تفكير."

قفزة كبيرة في ثمانية أعوام

هذا الواقع الميداني تدعمه أرقام صادمة وثقها المكتب الأسترالي للإحصاء في دراسة عام 2025، إذ تتبع فيها الباحثون آثار النيكوتين في مياه الصرف الصحي وقارنوها بأرقام المبيعات الرسمية الشاملة للسجائر الإلكترونية وسائر المنتجات المرتبطة.

خلاصة الدراسة أن السوق السوداء تستحوذ على 80% من النيكوتين المستهلَك، بعد أن لم تكن تتجاوز 12% قبل ثمانية أعوام فحسب، وهو ما يُلخص مساراً تصاعدياً متسارعاً لم تفلح السلطات حتى اللحظة في كبح جماحه.

والمحرك الرئيسي لهذه القفزة هو السعر، إذ ان علبة السجائر في أستراليا تتراوح بين 40 و70 دولاراً أسترالياً، حيث تضاعفت الأسعار ثلاث مرات خلال العقد الماضي بفعل سياسة الضرائب المتصاعدة، وهي السياسة ذاتها التي أفضت إلى نجاح صحي لافت، إذ لا يدخن سوى 5.6% من الأستراليين يومياً مقارنةً بـ20% عام 2001 وفق المعهد الأسترالي للصحة والرفاهية، بل لا تتجاوز نسبة المدخنين اليوميين في الفئة العمرية 14-17 عاماً حاجز 1%.

وكانت أستراليا قد سبقت العالم بحظر الإعلان عن السجائر وفرض "العلبة المحايدة" الخالية من الشعارات، غير أن الجريمة المنظمة وجدت في هذه الهوة السعرية فرصةً ذهبية لا تُفوَت.

مليارات تتجاوز المخدرات

يرسم أدريان ليفا، المحاضر في جامعة غرب سيدني والمتخصص في الجريمة المنظمة لصحيفة لوموند، صورة قاتمة لهذا السوق: "جماعات إجرامية أسترالية متعددة، من بينها ربما عصابات الدراجات النارية، تتحكم في استيراد هذا التبغ وتوزيعه"، مشيراً إلى أن حجم هذا السوق قد يبلغ 8.5 مليار دولار سنوياً، أي أكثر مما تُدره تجارة الكوكايين والحشيش والهيروين والإكستاسي مجتمعةً.

ويُضيف ويلفريد مورتيمر، مدير الاستخبارات الاستراتيجية في لجنة مكافحة الجريمة بنيو ساوث ويلز، أن "شبكات جديدة ظهرت في هذا القطاع فيما وسعت جماعات متعددة الجرائم محافظها الإجرامية."

وللسيطرة على المنافذ التجارية المكشوفة، استثمرت هذه الشبكات مباشرةً في محلات التبغ والبقاليات، وباتت تتنافس فيما بينها بأساليب عصابات المافيا الكلاسيكية التي لا تخطئها العين، وهي ابتزاز واعتداءات واختطاف وسطو مسلح، وصولاً إلى أكثر من 200 حريق متعمد سُجلت بين يناير 2023 ويناير 2025 وفق ما رصدته لوموند.

أما التجار المستقلون الذين يتزودون من هذه الشبكات، فيتحملون مخاطر جسيمة سواء أدركوا ذلك أم لا.