في خضم زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للولايات المتحدة، التي تمتد من 23 إلى 25 سبتمبر الجاري، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الصينية، تتصدر قضية تايوان مشهد المحادثات بين القوتين الكبريين، وفي هذا الصدد كشفت صحيفة نيويورك تايمز، أن أبرز ما يسعى إليه شي في واشنطن إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتجميد صفقة أسلحة مقترحة لتايبيه بقيمة 14 مليار دولار، تشمل صواريخ متطورة وأنظمة دفاع جوي ومعدات مضادة للطائرات المسيّرة.
ورقة الأسلحة
لم يُخفِ ترامب توظيفه للملف التايواني أداةً في يده على طاولة التفاوض، إذ صرّح عقب قمة مايو الماضي، في بكين بأن صفقة الأسلحة "ورقة تفاوضية ممتازة بصراحة"، قبل أن يُحجم عن الموافقة عليها حتى اللحظة.
ولفتت الصحيفة إلى أن مسؤولين أمريكيين كبار، في مقدمتهم وزير الحرب بيت هيجسيث، باتوا يتجنبون ذكر تايوان علنًا في خطاباتهم، في إشارة واضحة إلى تراجع الأولوية التي كانت تحتلها الجزيرة في الخطاب الرسمي الأمريكي.
في المقابل، لا تأتي بكين إلى واشنطن خالية الوفاض، فوفقًا للصحيفة، قد يُلوح شي بتصعيد القيود على صادرات المعادن النادرة الحيوية لصناعة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، أو يُهدد بمقاطعة قمة مجموعة العشرين التي سيترأسها ترامب في ميامي، ديسمبر المقبل.
أما ترامب فيُراهن بدوره على نفوذ بكين في الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، الشريان النفطي العالمي، الذي تُحكم إيران قبضتها عليه منذ اندلاع الحرب، فبراير الماضي.
تايوان تترقب
رصدت نيويورك تايمز حالة من الترقب الحذر في تايبيه، في ظل ما يصفه الخبراء بالأسلوب "الشخصي المرتجل" لإدارة ترامب، الذي يُصعب على الجزيرة استيعاب التوجهات الأمريكية والتأثير فيها.
وقالت المسؤولة السابقة في إدارة بايدن المشرفة على ملفي الصين وتايوان، لورا روزنبرجر، إن الطابع الهرمي الشديد المركزية لهذه الإدارة "يُعيق قدرة تايوان على استيعاب ما يجري والتأثير فيه".
ويُضيف ديفيد ساكس من مجلس العلاقات الخارجية، أن ما شهدناه حتى الآن لا يعدو كونه "الخطوة الافتتاحية في مسرحية متقنة تهدف إلى تقليص الدعم الأمريكي لتايوان"، مؤكدًا أن شي سيواصل تنفيذ هذه الإستراتيجية في لقاءاته الأمريكية.
وعلى صعيد التداعيات الميدانية، حذّر ريان هاس من معهد بروكينجز، المدير السابق لملف الصين في مجلس الأمن القومي الأمريكي، من أن أي تأخير مطول في صفقات التسليح سيُدفع ثمنه من رصيد تايوان العسكري، موضحًا أن "الصين تسعى إلى إطالة هذه العملية قدر الإمكان، بهدف تحقيق مكاسب ميدانية أسرع مما تستطيع تايوان اقتناء قدراتها العسكرية، فتستمر الكفة في الميل لصالح بكين".
وعلى الرغم من ذلك، كشفت الصحيفة أن التعاون العسكري الميداني لم يتراجع، ففي مناورات "هان كوانج" السنوية الأخيرة، كان المستشارون الأمريكيون أكثر حضورًا مما مضى، في مؤشر على متانة العلاقة الدفاعية بعيدًا عن الأضواء.
حصن تايوان المنيع
تشير نيويورك تايمز إلى أن ثمة ما يُرسخ الموقع التايواني بمعزل عن تقلبات السياسة، إذ باتت الجزيرة ثالث أكبر مصادر الواردات الأمريكية متجاوزةً الصين، بحسب الأرقام الأمريكية الواردة في الصحيفة، بفضل هيمنتها شبه المطلقة على تصنيع أشباه الموصلات الدقيقة التي تُغذي ثورة الذكاء الاصطناعي.
وأعلنت شركة TSMC، المصنع الأول للرقاقات في العالم، ضخ 265 مليار دولار في مصانعها بولاية أريزونا، في حين يظل التفوق التكنولوجي لتايوان عسيرًا على الاستنساخ، نظرًا لشبكاتها المتشابكة من الموردين والكفاءات الهندسية المتراكمة على مدى عقود.
وفي السياق ذاته، أبدى جيريمي تشانج من معهد أبحاث الديمقراطية والتكنولوجيا الناشئة في تايبيه، ثقته بأن "بناء الترابط البنيوي مع الحليف الأكثر أهمية يُوفر الضمانة القصوى للأمن القومي"، مختتمًا بعبارة تختزل رهان تايبيه الإستراتيجي: "الرؤساء يأتون ويرحلون.. لكن سيليكون فالي ووول ستريت يبقيان".