جمعت ألوان متباينة للوصول إلى شرائح مختلفة من جمهوره
حزنت لرحيل لميعة عباس عمارة قبل سماعها "تدخنين" بصوتي
القاهرة مساحة ارتبطت بأجمل ذكرياتي ومسيرتي خرجت من استوديوهاتها
في القاهرة، لا تبدو علاقة الفنان العراقي كاظم الساهر بالمكان عابرة أو مرتبطة بموعد حفل أو إطلاق ألبوم جديد، فهي المدينة التي احتضنت بدايات مسيرته، وشهدت ولادة عدد كبير من أعماله، وظلت على مدار عقود مساحة مفتوحة للحن والقصيدة والذكريات، وبين جمهور يرى في حضوره مناسبة فنية خاصة.
يعود القيصر إلى مدينة يعتبرها جزءًا من حكايته، محاطًا بمشاعر دافئة وحنين مستمر للقاء جمهوره المصري في حفله المقرر إقامته 18 سبتمبر الجاري، بالتزامن مع الاحتفال بإطلاق ألبومه الجديد "بلا عنوان".
الألبوم الذي يضم 18 أغنية يحمل ملامح تجربة موسيقية أراد لها كاظم أن تكون واسعة الألوان، تجمع بين البساطة والتعقيد، القصيدة والأغنية ذات الإيقاع الأقرب إلى الجمهور، أما اختيار "بلا عنوان" عنوانًا للعمل، فجاء من موقف عائلي بسيط اقترحه نجله وسام، قبل أن يتحول الاقتراح إلى عنوان نهائي لألبوم كامل.
وفي هذا الحوار، يتحدث كاظم الساهر لموقع "القاهرة الإخبارية" عن علاقته بمصر، وكواليس ألبومه الجديد، والرهبة التي تسبق طرح أعماله، ودور أبنائه في المشروع، بجانب غنائه أشعار الشاعرة العراقية الراحلة لميعة عباس عمارة، وقصة سحب أغنية "الحلوين" من الألبوم بعد اكتشاف ارتباطها بتسجيل سابق.
القاهرة ذاكرة لا تنطفئ
يقول القيصر إن القاهرة ليست مجرد محطة في مشواره، بل مساحة ارتبطت بأجمل ذكرياته، مؤكدًا أن معظم ألبوماته وأعماله التي صنعت حضورًا واسعًا في مسيرته خرجت من الاستوديوهات المصرية.
ولا يتوقف الأمر عند التسجيل، إذ يرى كاظم أن الجمهور المصري يمتلك حالة مختلفة يصعب تفسيرها، إذ يقول إن حضوره إلى مصر يجعله أكثر ابتسامًا وفرحًا، وكأن المدينة تستعيد معه شيئًا من البدايات.
كل أغنية حكاية
يحمل "بلا عنوان" تجربة موسيقية كبيرة، بعدما مر المشروع خلال مراحل إعداده بأكثر من تصور، إذ كان الساهر يفكر في البداية تقديم ألبوم يضم 12 أغنية، قبل أن يتسع المشروع تدريجيًا ويصل في مرحلة من مراحله إلى 24 أغنية، ثم الاستقرار في النهاية على 18 أغنية، وهو عدد يصفه كاظم بالمغامرة في ظل حجم الجهد الذي تتطلبه كل أغنية، لكن لا ينظر الساهر إلى الأعمال باعتبارها مجرد مجموعة أغنيات متجاورة، وإنما يرى أن لكل واحدة منها حكايتها الخاصة وموضوعها الموسيقي وشخصيتها التي تميزها عن غيرها.
ألوان موسيقية مختلفة
يؤكد الساهر أن علاقته بالموسيقى لا تبدأ من الغناء، إنما تنطلق من كونه موسيقيًا في المقام الأول، إذ يحب التلحين والعزف على الجيتار، ويعتبر الموسيقى جزءًا أساسيًا من حياته، ومن هذا المنطلق حاول أن يمنح الألبوم مساحات مختلفة تجمع بين البساطة والتعقيد، وأن يقدم ما يصفه بالموسيقى التي تبدو سهلة في استقبالها، لكنها تحمل في تفاصيلها قدرًا من الصعوبة، لذلك تنوعت الألوان الموجودة في "بلا عنوان" بين الكلاسيكي والبسيط والقصيدة واللون العراقي القديم، في محاولة للوصول إلى شرائح مختلفة من جمهوره، إذ يجد كل مستمع اللون الذي يميل إليه.
أما اختيار اسم "بلا عنوان"، فجاء على نحو لم يكن مخططًا له في البداية، إذ لم يرغب الساهر في إطلاق اسم إحدى الأغنيات على الألبوم، لعدم اقتناعه بفكرة اختزال مشروع كامل في عنوان مأخوذ من أغنية واحدة، وبينما كان يبحث عن تسمية مناسبة، اقترح نجله وسام قائلًا: لماذا لا يكون الألبوم "بلا عنوان" وجد الساهر في الفكرة ما يبحث عنه، فتحولت العبارة نفسها إلى عنوان، وانتهت بذلك رحلة البحث عن اسم للمشروع.
رحلة عمل طويلة
خلف هذا الاسم البسيط اختبأت رحلة طويلة من العمل والبحث الموسيقي، إذ يروي الساهر أن إعداد الألبوم استنزف منه قدرًا كبيرًا من الطاقة، ولم تتوقف العملية عند كتابة الكلمات، وإنما بدأت بعدها مرحلة البحث عن الأفكار الموسيقية التي يمكن أن تحتضن النصوص، ثم جاءت مرحلة أخرى للبحث عن المقدمات الموسيقية والطريقة، التي يمكن من خلالها تصوير الكلمات موسيقيًا وإيصال معناها إلى المستمع بالشكل المناسب، ومع كثرة الأفكار وتتابع مراحل العمل، كان يشعر أحيانًا بثقل ذهني كبير، وكأن رأسه امتلأ من كثرة البحث عن الأفكار الجديدة.
ورغم كل هذا الجهد، لم يكن الساهر يرغب في متابعة ردود الفعل فور طرح الألبوم، ويصف مرحلة الإطلاق بأنها مصحوبة بالقلق والخوف، ولذلك يفضّل الابتعاد عن الآراء في الشهور الأولى، حتى لا تزيد التعليقات من توتره، ومع طرح أغنية "متى أنا"، بدأ متابعة ما يحدث من بعيد، خصوصًا أن الأغنية تحتل مكانة خاصة لديه، ويحب الطريقة التي لحنها بها، وجاءت ردود الفعل الأولى، لكنه انتظر حتى اكتملت الصورة مع طرح بقية الأغنيات، ولاحظ حالة الترقب التي سيطرت على الجمهور الذين انتظروا استكمال الألبوم والتعرف إلى بقية تجربته.
وسام الهوية البصرية
وفي تفاصيل المشروع، كان لنجله الأكبر وسام حضور واضح، إذ تولى جانبًا من الهوية البصرية وطريقة تقديم الألبوم، بجانب الإشراف على توزيع الأغنيات عبر المنصات الرقمية وإدارة الحملة الترويجية بأسلوب احترافي، ويعرب الساهر عن تقديره لهذا الدور، معتبرًا أن وسام نجح في تنظيم الجانب الخاص بالموسيقى وطريقة تقديم المشروع وأرشفة تفاصيله وإخراجها في إطار متكامل، ما جعله يشعر بأن المجهود الكبير الذي بذله في الألبوم لم يذهب سُدى.
ذكريات خاصة
ويحمل "بلا عنوان" كذلك واحدة من الذكريات الخاصة المرتبطة بالشاعرة العراقية الراحلة لميعة عباس عمارة، من خلال قصيدة "تدخنين"، يتحدث الساهر عن هذا التعاون بمشاعر يغلب عليها الحزن، بعدما رحلت الشاعرة قبل أن تستمع إلى العمل بصوته، ويحتفظ الفنان بمقطع مصور من جلسات العمل التي جمعتهما، ويوثق جانبًا من تعاونهما.
صوت نسائي
ولم يكن وصول الصوت النسائي إلى الألبوم نتيجة بحث مباشر من الساهر، إذ جاء الأمر عن طريق نجله عمر، الذي اكتشف "سندي لطي" في أثناء استماعه إلى أعمالها عبر موقع يوتيوب، ولفت الصوت انتباه عمر، فطلب من والده أن يستمع إليها، وعندما شغل الساهر التسجيل أعجب بها من المرة الأولى، لتتحول تلك المصادفة الرقمية إلى مشاركة فعلية في مشروعه الجديد.
"الحلوين"
لم تخلُ رحلة "بلا عنوان" من مفاجأة فرضت نفسها بعد طرح الألبوم بأيام قليلة، فبعد يومين فقط من صدوره، اختفت أغنية "الحلوين" من قائمة الأعمال ومن المنصات الموسيقية، بعدما تبين للساهر أن الأغنية سبق تقديمها بصوت الفنان العراقي حميد منصور قبل عقود.
ويوضح الساهر أن الأمر وصل إليه بعدما تلقى اتصالًا من أحد العاملين معه، رئيس الفرقة صالح حسن، الذي أخبره بأن هناك تسجيلًا سابقًا للأغنية، لكنه غير مكتمل، إذ لم يتضمن سوى أربعة أسطر، كما أن اسم كاتبها لم يكن مثبتًا بالشكل الصحيح، وعندما استمع الساهر إلى التسجيل القديم وتأكد من الأمر، اتخذ قراره سريعًا بإيقاف الأغنية وسحبها، مؤكدًا أن احترام الفنان الذي سبق أن قدم العمل كان السبب وراء هذه الخطوة.