أشعلت تصريحات داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك الأمريكية، جدلًا حادًا في الصين، بعد أن دعا في مقال نشره مطلع الأسبوع إلى تباطؤ وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، محذرًا من الخطر الذي يمثله التقدم الصيني في هذا القطاع على الولايات المتحدة والعالم، إلا أن بكين لم تتأخر في الرد، واصفة هذه التصريحات بأنها ذريعة مُقنعة لتطويق صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية، وسط ترقب دولي لقمة مرتقبة بين شي جين بينج ودونالد ترامب.
أنثروبيك تُطلق صافرة الإنذار وبكين في مرمى الاتهامات
رصدت صحيفة ليزيكو الفرنسية تفاصيل هذه الأزمة، إذ طالب أمودي في مقاله بحزمة إجراءات عاجلة تمكنها من توسيع فجوتها التقنية مع الصين خلال "ثلاث إلى خمس سنوات، وهي النافذة الزمنية التي سيتحول فيها الذكاء الاصطناعي إلى ورقة جيوسياسية بالغة الأهمية".
وفي مقدمة هذه الإجراءات، حظر تصدير الحواسب الفائقة الأمريكية، كمنتجات إنفيديا، إلى الصين، إلى جانب التصدي لما يُعرف بتقنية "التقطير".
وهذه الأخيرة هي ممارسة تقوم على تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أصغر وأقل تكلفةً عبر تغذيتها بمخرجات النماذج الكبرى وجعلها 'تتعلم منها'، بدلًا من بنائها من الصفر بما يستلزمه ذلك من موارد حوسبة هائلة، وهو ما تتهم أنثروبيك الشركات الصينية بتطبيقه على نماذجها الأمريكية دون إذن، مستخلصةً خلاصة أبحاثها بتكلفة زهيدة فيما تعتبره واشنطن ضربًا من ضروب سرقة الملكية الفكرية.
بكين ترد
لم تتأخر الاستجابة الرسمية، إذ أعلن وزير الخارجية الصيني في مؤتمره الصحفي اليومي أن بلاده "ترفض تشويه الحقائق والهجمات والتشهير ضدها"، مؤكدًا في الوقت ذاته التزام الصين بـ"تطوير الذكاء الاصطناعي في خدمة الخير"، وإن أشار إلى عدم اطلاعه على تفاصيل تصريحات أمودي.
وعلى صعيد أكثر حدةً، خصصت صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية افتتاحيتها لتفنيد ما وصفته بـ"الحرب الباردة الصامتة المنافقة وقصيرة النظر"، تحت عنوان "اليمين التقني الأمريكي يُعيد سيناريو الحرب الباردة"، مستنتجةً أن الهدف الحقيقي وراء هذه التصريحات هو "توظيف الحواجز التقنية واحتكار القواعد لتطويق تطور الذكاء الاصطناعي الصيني، وإقصاء بكين من منظومة الحوكمة العالمية للتقنيات المتقدمة".
فرصة تجارية أم خطر حقيقي؟
اللافت أن الانتقادات الموجهة لأمودي لا تصدر عن الصين وحدها، فعلى الضفتين معًا، يرى كثيرون أن في تهويله لمخاطر الذكاء الاصطناعي مصلحةً تجارية مباشرة.
وقد لخص ليو شاوشان، خبير يُقال إنه عمل إلى جانب أمودي وأوردت رأيه "جلوبال تايمز"، هذه المعادلة بوضوح: حين يُقدَم الذكاء الاصطناعي باعتباره التقنية التي تحدد مصير الحضارة، تتحول شركاته من مجرد شركات تقنية إلى "بنية تحتية إستراتيجية"، مما يرفع ثقلها السياسي ويقلص العوائق أمام تمويلها، ويدفع تقييماتها في الأسواق إلى الأعلى.
توقيت حرج وقمة مرتقبة على المحك
ما يمنح هذا الجدل أبعادًا أكثر حساسية هو التوقيت؛ إذ تأتي هذه التصريحات قبل نحو عشرة أيام من لقاء مرتقب يجمع شي جين بينج بدونالد ترامب على الأراضي الأمريكية، في مرحلة سادت فيها لغة التهدئة بين القوتين. وقد بدا ترامب نفسه متبرئًا من هذه الأجواء التصعيدية، حين انتقد الأحد ما سماه "القوى السلبية" في مجال الذكاء الاصطناعي التي تتحدث عن "أمور لن تقع".