جلس النجم العالمي جورج كلوني -الذي تسلم جائزة "الأسد الذهبي لإنجاز العمر" من زميلته في فيلم "جاي كيلي"، لورا ديرن، خلال ليلة افتتاح مهرجان فينسيا السينمائي 2026- في جلسة حوارية أقيمت بقاعة "ماتش بوينت أرينا" في فندق "ليدو"، استعرض خلالها مسيرة فنية امتدت لما يقارب خمسة عقود.
وتعود علاقة كلوني بمهرجان فينسيا السينمائي إلى ما يقارب ثلاثة عقود، بدأت مع فيلم "خارج الأنظار" "Out of Sight"، وصولًا إلى مجموعة من أبرز أعماله التي عُرضت ضمن فعاليات المهرجان، من بينها "ليلة سعيدة، وحظ سعيد" أو "Good Night, and Good Luck"، و"مايكل كلايتون"، و"جاذبية" أو "Gravity"، و"ضاحية" أو "Suburbicon"، و"ذئاب" أو "Wolfs"، وصولًا في العام الماضي إلى فيلم "جاي كيلي" للمخرج نوح باومباخ.
وخلال الحوار الشامل، استعاد كلوني عددًا من المحطات البارزة في مسيرته، من بينها المخاطر التي تحملها لإنتاج فيلم "ليلة سعيدة، وحظ سعيد" قبل نحو عقدين من الزمن، موضحًا أنه "رهن منزله من أجل إنتاجه"، قبل أن يُعرض الفيلم للمرة الأولى أمام جمهور مهرجان فينسيا عام 2005، إذ شاهده إلى جانب الحضور للمرة الأولى.
وظلت قصة الفيلم، التي تتناول مواجهة الصحفي والإعلامي الأمريكي الأسطوري إدوارد آر. مورو للسيناتور جوزيف مكارثي في ذروة حملة مكافحة الشيوعية في الولايات المتحدة، تحمل بالنسبة لكلوني طابعًا شخصيًا عميقًا، خاصة أن والده، نيك كلوني، كان صحفيًا ومذيعًا إخباريًا.
وأوضح كلوني أنه شعر بضرورة إعادة تقديم الفيلم على خشبة المسرح في الوقت الراهن، نظرًا لاستمرار حضور موضوعاته الرئيسية، وفي مقدمتها حرية الصحافة، والترهيب السياسي، ومسؤولية الصحفيين في تحدي السلطة، مؤكدًا أن هذه القضايا لا تزال تحظى بصدى واسع.
وقال كلوني عن اقتباس الفيلم للمسرح في برودواي: "عندما قررنا تقديم المسرحية وإعادة عرضها، شعرنا أن تلك الكلمات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، في وقت كانت فيه الشبكات التلفزيونية، وشركات المحاماة، والجامعات تستسلم لأهواء الشعبويين، لذا رأيت أنه من المهم قول تلك الكلمات".
نصيحة الوالد.. وأمل كلوني بطلة
وأشاد كلوني بوالده، مؤكدًا أن أفكاره ومبادئه كان لها دور أساسي في إلهام نشاطه الحقوقي والإنساني، وكذلك في إطلاق مؤسسة كلوني، التي قال إنها "أخرجت بالفعل مئة صحفي من السجن".
واستعاد كلوني نصيحة والده له منذ طفولته، قائلًا: "عندما كنت طفلًا، في السابعة أو الثامنة من عمري، صدق أو لا تصدق، كان والدي يقول لي: لا يهمني ما تفعله في حياتك، لا أبالي، لديك مسؤولية واحدة فقط، وهي أن تتحدى من هم أقوى منك وأن تدافع عن من هم أضعف منك. هذا كل شيء".
وأكد أن هذه الفلسفة لا تزال تؤثر في نشاطه الإنساني والحقوقي، وكذلك في عمل زوجته، المحامية الحقوقية أمل كلوني.
وقال: "أقضي أنا وزوجتي جزءًا كبيرًا من حياتنا في محاولة اتباع هذه القواعد نفسها"، مشيرًا إلى معاناة أشخاص "ولدوا في مناطق حرب"، وأشخاص يعانون من الجوع، ونساء يتعرضن لسوء المعاملة، إلى جانب صحفيين يقبعون في السجون.
وأضاف: "هؤلاء الناس بحاجة إلى بعض الحظ، لذا فإن مهمتنا هي أن نكون جزءًا من الحل".
كما استعاد كلوني سنوات نضاله من أجل تسليط الضوء على الفظائع والانتهاكات التي وقعت في دارفور، معترفًا بأنه لم يحقق النجاح نفسه الذي حققته زوجته أمل كلوني في العمل على تقديم المسؤولين عن تلك الجرائم إلى العدالة.
وقال: "نجحت في رفع الصوت عاليًا، لكنني لم أحقق نجاحًا يُذكر في إيقاف ما يحدث، وبالتأكيد لم أحقق نجاحًا يُذكر في تقديم الجناة للعدالة".
وأضاف: "بعد عشرين عامًا، تمكنت زوجتي أخيرًا من محاكمة بعض هؤلاء الرجال وزجّهم في السجن.. أنجزت المهمة"، واصفًا أمل كلوني بأنها "بطلة".
وتطرق كلوني كذلك إلى تجربته الشخصية في مشاهدة زوجته وهي تتولى قضية نادية مراد، الناجية من فظائع تنظيم "داعش"، التي حصلت لاحقًا على جائزة نوبل للسلام.
واستعاد كلوني تفاصيل اللقاء الأول بين نادية مراد وزوجته في منزلهما، موضحًا أنه عندما جاءت مراد إلى المنزل للمرة الأولى، كانت أمل، التي كانت مثقلة بالفعل بالعديد من القضايا، حذرته من السماح لها بتولي قضية جديدة.
وبعد مرور أربع ساعات، وجد كلوني المرأتين جالستين على الأرض وتبكيان معًا، ليتذكر قائلًا: "قلت لهما: ستتوليان القضية".
حذفه من فيلم تيرينس ماليك
وخلال الجلسة، ناقش كلوني أيضًا بحماس العلاقة بين الممثل والمخرج، وميزان القوى بينهما داخل العمل السينمائي، موضحًا أن المخرج يمتلك الرؤية النهائية للعمل.
وقال: "المخرج هو الرسام، وكل شيء آخر هو مجرد طلاء، الممثل بمثابة الدهان، الموسيقى هي الدهان. تصميم الصوت، التصوير السينمائي، كلها بمثابة دهانات، والمخرج يغمس ريشته في كل منها".
وأضاف: "كما تعلمون، لا يؤثر الممثل إلا بقدر ما يقرره المخرج، بصفتي مخرجًا، أستطيع تغيير أداء أي ممثل. بل يمكنني حذفه تمامًا".
وضرب كلوني مثالًا على ذلك من تجربته مع المخرج تيرينس ماليك في فيلم "الخط الأحمر الرفيع".
وقال: "لم يعمل ماليك منذ خمسة عشر عامًا، وكان يرغب في العودة إلى الإخراج، لذا فكرت في مساعدته على إنتاج هذا الفيلم، وسأؤدي هذا الدور".
وأوضح أنه سافر إلى أستراليا وشارك في تصوير "الخط الأحمر الرفيع" لعدة أشهر، قبل أن يكتشف أن ماليك قرر حذف معظم مشاهده من الفيلم.
وتابع: "ثم حذفني ماليك تمامًا، باستثناء المشهد الأخير من الفيلم تحديدًا".
وأضاف مستذكرًا رد فعله بعد مشاهدة النسخة النهائية: "شاهدت ذلك، فقلت في نفسي: حذفني تمامًا، ستتركونني في المشهد الأخير. يا إلهي، أبدو كالأحمق".
ووجّه كلوني خلال الجلسة رسالة إلى الممثلين وصناع الأفلام الطموحين الذين حضروا بأعداد كبيرة، مؤكدًا أن النجاح في هوليوود يعتمد، إلى حد ما، على الحظ، إلا أن الإنسان يستطيع أيضًا أن يصنع جزءًا من هذا الحظ بنفسه.
وقال: "عليك أن تكون الشخص المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب. يمكنك أن تصنع الكثير من هذا الحظ".
نقطة تحول
وأشار كلوني إلى الدور الذي شكّل نقطة التحول في مسيرته المهنية، شخصية طبيب الأطفال دوغ روس في المسلسل الطبي الشهير "ER"، موضحًا أنه سبق أن ظهر في سبعة مسلسلات تلفزيونية مختلفة قبل حصوله على دور البطولة في الدراما الطبية التي عرضتها شبكة "إن بي سي".
وقال: "هناك لحظة ما ينجح فيها شيء ما، لكن عليك أن تستمر في السعي وراءها".
وأضاف: "عليك أن تكون متواجدًا ومتاحًا، وأن تقول: أنا الشخص المناسب".
وبدا أن حديث كلوني عن أهمية الحضور والاستعداد لاقتناص الفرص وجد تطبيقًا مباشرًا خلال جلسة الأسئلة والأجوبة، عندما وقفت شابة تبلغ من العمر 25 عامًا، خريجة حديثة من كلية للسينما في بلجيكا ومن أصول جزائرية، وطلبت من كلوني الحصول على فرصة للعمل في أحد إنتاجاته.
وأوضحت الشابة أنها تأمل في أن تصبح مخرجة، لكنها ترغب أولًا في اكتساب خبرة عملية في مجال صناعة الأفلام.
وبدأ كلوني في الاستفسار منها عن المجالات التي ترغب في العمل بها وما الذي تود القيام به تحديدًا، قبل أن يعرض عليها العمل في أحد مشروعاته المقبلة، الذي من المقرر تصويره في إيطاليا.
ولم يخلُ الحوار من جانب فلسفي وشخصي مؤثر، إذ استعاد كلوني، بتأثر واضح، وفاة شقيقته بمرض السرطان العام الماضي، واللحظات الأخيرة التي قضاها إلى جوارها.
وقال: "توفيت فجأة، وكنت معها لحظة وفاتها. كان هناك شعور غريب، وأنا معها، أمسك بيدها لحظة رحيلها، مدركًا كم هو قصير كل هذا، قبل دقائق فقط كنا طفلين صغيرين؛ قبل دقائق كنا نمسك بأيدي بعضنا كطفلين صغيرين".
وتابع: "الوقت يمر سريعًا، كل هذا ولذلك علينا ألا نجد سوى الفرح".