زار نائب وزير الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي مقر حلف الناتو، في أول اختبار رسمي لمواقف الدول الأعضاء قبيل مراجعة أمريكية شاملة للوجود العسكري في أوروبا، كاشفًا عن نية واشنطن ربط استمرار انتشار قواتها بمدى وفاء الحلفاء بالتزاماتهم الدفاعية وانحيازهم لأولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وقد رسمت صحيفة بوليتيكو صورة تفصيلية لما جرى خلف أبواب القمة، كاشفةً عن توترات عميقة تعصف بالعلاقة الأطلسية.
استبيان يُشعل التوترات
في خطوة استباقية للمراجعة، أرسلت واشنطن إلى دول الحلف استبيانًا مفصلًا طلبت فيه من كل دولة الإفصاح عن موقفها من ملفات حساسة، تمتد من الإنفاق الدفاعي إلى السياسة الخارجية الأمريكية.
وبحسب ما كشفه مسؤولان دفاعيان أوروبيان لبوليتيكو، أثار هذا الاستبيان موجة واسعة من الاستياء داخل الحلف؛ إذ وصفه أحد الدبلوماسيين بأنه "تمرين مرعب" لا يهدف إلا إلى دفع الحلفاء نحو "إعلان الولاء للملك".
وفي السياق ذاته، أرسلت الولايات المتحدة وثيقة "مرجع المهام"، التي كشفت عنها وكالة رويترز أولًا، وحددت فيها معايير المراجعة الشاملة، في مقدمتها مستوى الإنفاق الدفاعي ومدى إتاحة الحلفاء الوصولَ العسكري الأمريكي إلى أراضيهم وأجوائهم.
كولبي يدافع
سارع كولبي إلى تبديد المخاوف، مؤكدًا أمام سفراء الناتو الـ32 أن الاستبيان لا يسعى إلى "فرض شروط" ولا إلى انتزاع "شيك على بياض" فيما يخص حرية الوصول العسكري، مثنيًا على ما أحرزته الدول من تقدم في "إعادة بناء قوتها العسكرية للدفاع الجماعي"، غير أنه لم يُخفِ حجم المطالب الأمريكية، إذ أكد أن واشنطن "تحتاج إلى القدرة على العمل بفاعلية وإلى قدر من القابلية للتنبؤ"، لافتًا إلى أن إمكانية الوصول إلى القواعد الأمريكية في أوروبا تمثل معيارًا محوريًا في تقييم الحلفاء.
وحدد كولبي الهدف الأشمل للمراجعة بأنها ستعمل على "تشجيع وتمكين وحث التحول نحو دفاع أوروبي تقليدي أكثر رسوخًا وقوة تقوده أوروبا بنفسها".
جذور الأزمة
لا تأتي هذه المراجعة من فراغ، فوفقًا لبوليتيكو، أعلن وزير الحرب بيت هيجسيث عنها في يونيو الماضي ردًا مباشرًا على قرارات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا بتقييد حق الطيران الأمريكي في مجالاتها الجوية، وإغلاق بعض قواعدها في وجه العمليات المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وبلغ التوتر ذروته حين لوّح الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف كليًا جراء هذه القيود، في إشارة إلى هشاشة غير مسبوقة في بنية التحالف الأطلسي.
"مسابقة جمال" بقاعة الاجتماعات
رصدت بوليتيكو مشهدًا لافتًا من داخل اجتماع الخميس، إذ وصف أحد دبلوماسيي الناتو ما دار بأنه "مسابقة جمال"، تسابق فيها السفراء إلى إبراز التزامات بلدانهم بمعايير "الناتو 3.0"، وهو المفهوم الأمريكي الداعي إلى تحمل أوروبا مسؤولية دفاعها التقليدي بنفسها.
وكان نائب وزير الدفاع البولندي باويل زاليفسكي الأكثر وضوحًا في تقديم عرضه، إذ أعلن لبوليتيكو أن وارسو "مستعدة لاقتراح" مواقع مختلفة وتوفير التمويل والدعم اللوجستي اللازمين لاستضافة قوات أمريكية بصورة دائمة على أراضيها، مع حرصه على التأكيد بأن هذه المراجعة "لا تقوم على عروض إغراء، بل على مصالح مشتركة".
وبحسب دبلوماسيَين في الحلف تحدثا لبوليتيكو، لم يُقدم أي من السفراء عروضًا رسمية مباشرة لكولبي، واكتفوا باستعراض إنجازاتهم في تحقيق الأهداف العسكرية للحلف وزيادة ميزانياتهم الدفاعية، في جو وصفه أحدهم بأنه كان "بناءً للغاية".
موعد الحسم الأمريكي
تنتهي فترة التشاور بتقرير عسكري يُعده الجنرال أليكسوس جرينكيفيتش، قائد القوات الأمريكية في أوروبا، ليرفعه إلى كولبي الشهر المقبل، بحسب مصدر مطلع تحدث لبوليتيكو بشرط عدم الكشف عن هويته.
وعلى إثر ذلك، يُتوقع أن يُصدر هيجسيث قراره الرسمي في نوفمبر المقبل، فيما يبدو لحظة فارقة ستُعيد رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية لسنوات مقبلة.