باتت الصين تراهن على سلاح جديد في سوق الدفاع الجوي المتنامي، إذ صنعت صواريخ اعتراضية رخيصة مطبوعة ثلاثيًا تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاصطياد المسيرات الانتحارية وإسقاطها قبل بلوغ أهدافها، وفي هذا الصدد كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن عشرات الشركات الصينية عرضت هذه الصواريخ في أكبر معرض للطائرات المسيرة بمدينة شنتشن، كثير منها لم يدخل القطاع إلا قبل أشهر قليلة، مستثمرةً الطلب العالمي المتصاعد الذي فجرته الحروب الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط، حيث أثبتت المسيرات الانتحارية قدرةً تدميرية فاقت كل التوقعات بتكلفة زهيدة.
كيف وُلد السلاح؟
كشفت فايننشال تايمز أن الدافع الرئيسي لهذا التكالب الصيني نحو صواريخ الاعتراض هو ما أثبتته الصراعات الأخيرة في أوكرانيا وإيران من قدرة تدميرية للمسيرات الانتحارية منخفضة التكلفة والاستخدام الأحادي، إذ أدركت الشركات الصينية أن معظم المكونات الأساسية لهذه الصواريخ مشتركة مع مكونات المسيرات التقليدية التي تتفوق فيها الصين أصلًا، مما خفض حاجز الدخول إلى هذا القطاع وجعل القفز إليه سريعًا وغير مكلف.
وخلافًا لتقنيات التشويش الإلكتروني التقليدية، تعتمد هذه الصواريخ على الاصطدام المادي المباشر بالهدف، مما يجعلها أكثر فاعلية ضد المسيرات التي لا تعتمد على الـGPS المستمر ولا يمكن إسقاطها بأساليب التشويش، وهو ما دفع الجيش الأوكراني إلى نشر صواريخ اعتراضية محلية الصنع للتصدي للمسيرات الروسية خلال العام الجاري.
آلاف الصواريخ
نقلت فايننشال تايمز عن وين تينج، مؤسس شركة Shenzhen Weichuan Model Equipment، ما يكشف حجم التسارع في هذا القطاع، إذ أكد أن شركته لم تبدأ تطوير الصواريخ الاعتراضية إلا في أكتوبر الماضي، غير أنها باتت تبيع "عدة آلاف" منها شهريًا، في صفقات تشمل روسيا ودولًا خليجية.
ووصف وين تينج قدرة صواريخه على التعرف إلى المسيرات ومهاجمتها بصورة مستقلة بأنها "دقيقة جدًا"، في حين تتباين تقديرات الشركات المشاركة في المعرض حول معدلات الدقة الفعلية لأنظمة التوجيه الذاتي، وتتراوح بين 50 و100%، فضلًا عن أن بعض هذه الأنظمة لا يزال قيد التطوير.
وقد حدد بائعون في المعرض أسعار الصواريخ بين 10 و20 ألف يوان صيني، أي ما يعادل 1500 إلى 2900 دولار، فيما تنخفض التكلفة بشكل ملحوظ في النماذج الخالية من أنظمة التوجيه الأوتوماتيكي.
هيمنة صينية
لا يبدو هذا التكالب منفصلًا عن صورة أشمل ترسخت فيها الصين بوصفها قوة مسيرات بلا منازع، فوفقًا لما أوردته فايننشال تايمز نقلًا عن مؤسسة Drone Industry Insights، تستحوذ شركة DJI الصينية وحدها على 70 إلى 80% من السوق العالمية للمسيرات غير العسكرية وغير الحكومية، كما تُعد الصين المورد الأكبر عالميًا للمكونات الحيوية في هذا القطاع.
وتمتد الهيمنة لتطال حقوق الملكية الفكرية، إذ كشف أندرو وايت، المحامي المتخصص في براءات الاختراع بمكتب Mathys & Squire اللندني، أن المؤسسات الصينية تصدرت العام الماضي قائمة مقدمي طلبات براءات اختراع تقنيات مكافحة المسيرات، بأكثر من ضعف عدد الطلبات الأمريكية التي جاءت في المرتبة الثانية، معلقًا: "الصين تهيمن على هذا المجال هيمنةً مطلقة".
منافسة غربية
لم تدخل الصين سوقًا خالية من المنافسين، إذ أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مارس الماضي أن صواريخ بلاده الاعتراضية استُخدمت من قِبَل دول خليجية عدة لإسقاط مسيرات إيرانية، وهو يروج لمنتجاتها بنشاط لدى الشركاء الأمريكيين والأوروبيين.
وتؤكد الشركات الغربية أن صواريخها تتميز بمدى أبعد وقدرة على إسقاط أهداف يعجز عنها غيرها من التقنيات، غير أن عائقَي التكلفة والعجز عن التعامل مع أسراب المسيرات يظلان قيدين حقيقيين يحدان من جاذبيتها.
أما براين بوكمون، الرئيس التنفيذي للشركة الأسترالية Aimlock، فيرى في الانخفاض المتسارع للتكاليف في تقنيات مكافحة المسيرات "الجانب الأكثر واعدية"، واصفًا إياه بـ"التحول الجذري" الذي يعيد تشكيل المشهد برمته، وهو تحول تبدو الصين اليوم في طليعة المستفيدين منه.