الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

حرب المنطقة الرمادية.. هل أوروبا مستعدة لعصر جديد من الهجمات الروسية؟

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

يشعر الأوروبيون بالقلق مع امتداد تداعيات الحرب الأوكرانية، فقد هاجمت مُسيَّرة مفخخة طائرة شحن أوكرانية في مدينة "لايبزيج" شرقي ألمانيا، لكنها لم تنفجر، وفي حادثة أخرى، كشفت السلطات الألمانية عن إحباطها لمحاولة اغتيال الرئيس التنفيذي لإحدى شركات تصنيع المسيّرات في البلاد. وخارج روما، دمّر انفجار هائل مصنعًا للذخيرة تستخدم القوات الأوكرانية منتجاته، وذلك بعد أيام قليلة من انفجار آخر استهدف مصنعًا في بلغاريا، سبق أن أفادت التقارير بأن مالكه كان هدفًا لأجهزة الأمن الروسية. كما أسقطت طائرة مقاتلة إسبانية ضمن مهمة مراقبة جوية لحلف الناتو طائرة مُسيَّرة اخترقت المجال الجوي الروماني، وقال متحدث باسم الناتو إن الطائرة المُسيَّرة يُرجّح أنها روسية الصنع.

كان ذلك مجرد النصف الأول من شهر أغسطس، ومنذ شهور عديدة يتعرض الأوروبيون لسلسلة من الأعمال العدائية، يُعزى بعضها بوضوح إلى روسيا، والتي تهدف إلى تقويض جهود أوروبا في دعم أوكرانيا، وزعم الأوروبيون أن روسيا قطعت كابلات بحرية، وشوّشت إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ونفّذت عمليات تخريب باستخدام سكان محليين جُنّدوا عبر الإنترنت.

وحسب ما يشير تحليل لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، وصف بعض المراقبين هذه الحملة بأنها "حرب المنطقة الرمادية"، في إشارة إلى الإجراءات العدوانية التي لا تصل إلى حد الحرب الصريحة.

خيارات محدودة

في الوقت الراهن، يبدو مصطلح "المنطقة الرمادية" متقادمًا بشكل متزايد، لا سيما في ظل تصاعد جرأة التهديدات الروسية المصاحبة لأفعالها.

في 12 أغسطس، تعهَّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بردٍّ غير محدد ضد أي دولة تجرؤ على الاقتراب مما يُسمى "أسطول الظل" الروسي من ناقلات النفط، في إشارة واضحة إلى قرار الاتحاد الأوروبي الأخير الذي يسمح بمصادرة النفط الروسي من السفن الخاضعة للعقوبات.

وفي مقابلة بعد يومين، وسّع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، نطاق التهديد ليشمل أي دولة تجرؤ على دعم أوكرانيا في حربها ضد الروس.

تشير "فورين بوليسي" إلى أن موسكو لديها كل الأسباب لتصعيد الموقف، فعلى مدى أكثر من أربع سنوات، سعى رجال الكرملين لهزيمة الأوكرانيين عبر القتال المباشر، وبدلًا من النجاح اضطروا الآن لمشاهدة طائرات كييف المُسيَّرة وصواريخها وهي تقصف مصافي النفط والأهداف العسكرية في عمق روسيا.

كما أن خيار بوتين الأفضل التالي، وهو حثّ صديقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على الضغط على أوكرانيا لقبول شروط السلام الروسية عبر مفاوضات تقودها الولايات المتحدة- قد فشل أيضًا، وهذا يترك الخطة الثالثة المتمثلة في تكثيف الجهود لتقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا، سواء من خلال التخريب أو الترهيب أو عمليات التأثير التي تهدف إلى تعزيز الأحزاب والسياسيين الموالين لموسكو.

وبالنسبة لبوتين، يُعدّ استهداف أوروبا الخيار الأنسب ضمن قائمة تصعيد محدودة، فلا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن روسيا لا تستخدم كل ما لديها ضد أوكرانيا باستثناء الأسلحة النووية، وهناك أسباب وجيهة للاستنتاج بأن الكرملين لن يذهب إلى هذا الحد، أما أوروبا فهي ضعيفة ومنقسمة وعرضة للسلبية، ما يمنح الكرملين نفوذًا كبيرًا، وفق التحليل.

ويلفت إلى أنه "على عكس نظرائه الأوروبيين، يمتلك الرئيس الروسي خبرةً مهنيةً واسعةً في فنون الخداع والتضليل، فقد أولى جهاز المخابرات السوفيتي (KGB) -الذي خدم فيه بوتين لمدة 16 عامًا- اهتمامًا خاصًا بالعمليات السرية، بما في ذلك التخريب والتحريض والاغتيالات المستهدفة".

يضيف: "كما دعمت الشرطة السرية لألمانيا الشرقية، المعروفة باسم (شتازي)، الهجمات التي شنَّها فصيل الجيش الأحمر في ألمانيا الغربية، وعمل بوتين كحلقة وصل بين الاستخبارات السوفييتية وشتازي خلال فترة وجوده في ألمانيا الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي".

تأثير وتوغل

يرجِّح التحليل أنه بإمكان روسيا استغلال شبكة علاقاتها بسهولة للعثور على مرشحين لشن هجمات على أهداف أوروبية، ربما بتزويد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) منفذي الهجمات بوثائق وهويات مزورة متطورة، ولا يحتاج المهاجمون المحتملون حتى إلى اختراق حدود الاتحاد الأوروبي؛ إذ يمكن لهجوم دموي على سياح أوروبيين في وجهة سياحية خارجية معرضة للخطر أن يحقق نفس النتيجة.

ويضيف: "لن يحتاج الروس إلى الإعلان عن تورطهم -كما لم يفعلوا خلال الحرب الباردة- لكن بإمكانهم حينها تضخيم الأثر من خلال جهاز التضليل الإعلامي الضخم التابع لهم، ربما باستغلال مخاوف المهاجرين وتسليط الضوء على عجز الحكومات الحالية".

بحسب الأوروبيين أنفسهم، لا تزال البنية التحتية الحيوية في جميع أنحاء القارة عرضة للاختراق، في عام 2022 أحدثت الهجمات الإلكترونية على مصافي النفط في بلجيكا وهولندا وألمانيا صدمة في قطاع الطاقة الأوروبي.

وبينما يعمل الاتحاد الأوروبي حاليًا على تنفيذ برنامج شامل لتحسين الأمن السيبراني، ولكن يتبادر إلى الذهن سؤال حول مدى اطلاع مسؤولي بروكسل على أحدث الابتكارات، فقبل أيام قليلة، نجح قراصنة في مهاجمة شركة "سيفا"، إحدى أكبر شركات الخدمات اللوجيستية والشحن في أوروبا، ما تسبب في تأخير عمليات التسليم في جميع أنحاء القارة.

كما حذّر قائد عسكري ألماني رفيع المستوى، في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، من أن موسكو تستخدم توغلات الطائرات المُسيَّرة لاختبار دفاعات حلف الناتو الجوية، وجاءت تصريحاته بعد أيام قليلة من تقرير الصحيفة نفسها عن قلق وكالات الاستخبارات الأمريكية من احتمال استعدادِ الكرملين لشنِّ هجوم استفزازي لزعزعة استقرار الحلف الغربي.

وحسب التحليل: "قد يتخذ ذلك شكل توغل عسكري روسي في منطقة يصعب الدفاع عنها ضمن أراضي الناتو، مثل أرخبيلِ سفالبارد النرويجي في المحيط المتجمد الشمالي، حيث تتواجد موسكو بالفعل منذ قرن تقريبًا، والهدف من ذلك هو توسيع الانقسامات داخل الحلف وزرع الشكوك حول مصداقية ضمانه الأمنيِ لأيِ عضو يتعرض للهجوم".