تتصاعد المواجهات بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي بالتزامن مع انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران واستنزاف جزء من مواردها العسكرية، وبدأت دول حليفة وشريكة لواشنطن في آسيا تتساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عنها، وما إذا كانت قادرة على ذلك.
توماس الثانية
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، كان أحدث اشتباك بين الصين والفلبين الأسوأ منذ سنوات في واحدة من بؤر التوتر المتصاعدة منذ فترة طويلة في بحر الصين الجنوبي، وتعود المواجهة إلى شعاب مرجانية صغيرة في مياه متنازع عليها تعرف باسم شعاب توماس الثانية.
على مدى عقود، ادعت الفلبين أحقيتها في الشعاب، وأكدت سيطرتها عليها عبر تناوب القوات على متن سفينة تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، كانت راسية هناك، وأيد حكم صادر عن محكمة دولية قبل عقد من الزمن ادعاء الفلبين.
لكن في الشهر الماضي، بدأت سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني بالدوران حول السفينة التي تحمل اسم "سييرا مادري"، في أحدث حلقة من سلسلة طويلة من المواجهات بين الحكومتين في الموقع.
وفي إحدى المراحل، استخدم خفر السواحل الصيني زوارق صغيرة للهجوم على جنود فلبينيين، وضربوا أحدهم بعصا خشبية، ما تسبب له بجروح في الرأس، وفقًا لمسؤولين فلبينيين وأمريكيين، واتهمت الصين الفلبين باستفزاز الاشتباك.
أعرب السفير الأمريكي عن غضبه، وأعلن أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الفلبين، أقدم حليف للولايات المتحدة بموجب معاهدة في جنوب شرق آسيا.
استنزاف أمريكي
مع ذلك، لا يتوقع أحد أن تكبح الصين أنشطتها التوسعية في المنطقة في أي وقت قريب، وتتزايد الشكوك بين الدول الآسيوية بشأن ما قد تكون الولايات المتحدة مستعدة لفعله لردع الصين، في ظل التشتيت الكبير للموارد والاستنزاف الذي يسببه الصراع الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران.
تعاني الولايات المتحدة من نقص حاد في الأسلحة الحيوية، بما في ذلك صواريخ الاعتراض الدفاعية الجوية، وأجبرت الهجمات الصاروخية والطائرات المُسيَّرة الإيرانية القوات الأمريكية على مغادرة قواعدها في الشرق الأوسط، ودمرت هذه المواقع، بما يشير إلى ما يمكن أن يفعله الجيش الصيني (الأقوى بكثير من الجيش الإيراني) إذا نشب صراع في آسيا.
وفي أوائل يوليو، أجرت الصين تجربة إطلاق نادرة لصاروخ باليستي عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية، أُطلِق برأس حربي وهمي في المحيط الهادئ من غواصة تعمل بالطاقة النووية، ويعد الصاروخ أحد أقوى عناصر ترسانتها.
وفي الوقت الذي تختبر فيه الصين قوتها، تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بإغلاق القنصليات في اليابان وإندونيسيا، وفقًا لمسؤولين في الكونجرس مطلعين على القرار.
هدية للصين
قال النائب جريجوري دبليو ميكس، من نيويورك، وهو أبرز الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، في بيانٍ: "لقد كانت ولاية ترامب الثانية فشلًا ذريعًا لمصالح الولايات المتحدة في منطقة آسيا".
وأضاف: "هذه الإستراتيجية، إن صح التعبير، هي بمثابة هدية للصين تقوِّض مصداقية الولايات المتحدة وتضر بأمننا القومي".
وكشفت الحرب التجارية العالمية التي شنها ترامب، والتي شملت أهدافها دول جنوب شرق آسيا، للحلفاء والشركاء أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون خصمًا تجاريًا.
ولسنوات، افتقرت الحكومة الأمريكية إلى رؤية اقتصادية لجنوب شرق آسيا، بينما تراجع سياسيون ديمقراطيون وجمهوريون عن اتفاقية تجارية لمنطقة المحيط الهادئ، كان الرئيس باراك أوباما يروج لها.
موازنة آسيوية
رغم أن دول جنوب شرق آسيا لا ترغب في الوقوع في صراع بين القوتين العظميين (الولايات المتحدة والصين) فإنها "لا تزال ترغب في الشعور بأن الولايات المتحدة تمثل ثقلًا موازنًا صحيًا لجمهورية الصين الشعبية".
وبينما تحدث ترامب عن الصين كمنافس اقتصادي، فقد احتضن أيضًا هذه القوة العظمى بعد أن نجحت في الرد خلال حربه التجارية العام الماضي.
وخلال قمة في بكين في مايو، أعرب ترامب عن إعجابه بالرئيس الصيني شي جين بينج، بينما يستعد لاستضافة شي في زيارة دولة إلى واشنطن في أواخر سبتمبر.
تقارب ترامب وشي
مع تزايد الود بين ترامب وشي، تشعر بعض الدول الآسيوية بالتهميش، لكنها في الوقت نفسه تختار البقاء في الجانب الصديق للصين.
ويصدق ذلك بشكل خاص عندما تظل الصين أكبر شريك تجاري للعديد من الدول، ولا تعمل الولايات المتحدة على تقديم بدائل اقتصادية.
وقال ريتشارد حيدريان، عالم السياسة الفلبيني: "نحن في موقف بالغ الصعوبة، لأننا نرغب في إقامة علاقة متينة مع كلا الجانبين، وبالنسبة لدول مثل الفلبين، يصبح الأمر أكثر صعوبة لأن الولايات المتحدة حليف عسكري لنا".
اتخذت الولايات المتحدة من الفلبين أول موطئ قدم استعماري لها في آسيا بعد انتزاعها من إسبانيا في الحرب الإسبانية الأمريكية. وهي الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي تربطها معاهدة تحالف رسمية مع الولايات المتحدة، تلزم جيوش البلدين بالمساهمة في الدفاع عن الدولة الأخرى.