تحول الذكاء الاصطناعي إلى قنبلة سياسية موقوتة في الساحة الأمريكية، إذ بات يُشكل محورًا انتخابيًا لم يسبق له مثيل في تاريخ الحملات الأمريكية.
وبحسب صحيفة واشنطن بوست، التي أجرت تحليل لأكثر من 1200 موقع إلكتروني لمرشحين لمجلس النواب والشيوخ وحكومات الولايات، باتت هذه القضية حاضرة في قرابة 40% من الدوائر الانتخابية، متجاوزةً بذلك ملفات راسخة كالصراع في الشرق الأوسط، والتصنيع، والعنصرية. والأبرز أن هذا الحضور لم يقتصر على حزب دون آخر، بل اخترق الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍ سواء.
من وادي السيليكون لصناديق الاقتراع
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أنه لم يسبق لمحللين انتخابيين متمرسين أن رصدوا قضية تفرض نفسها على المشهد السياسي بهذه السرعة، إذ يصف كايل كونديك، المحلل الانتخابي في مركز السياسة بجامعة فيرجينيا، المشهد بأن الذكاء الاصطناعي "انتقل من قضية لا يكترث بها أحد إلى قضية في كل مكان"، في توازٍ صريح مع الوتيرة التي تقتحم بها هذه التقنية مناحي الحياة الأمريكية كافة.
وتُظهر استطلاعات الرأي التي رصدتها "واشنطن بوست" أن الناخبين يتأرجحون بين التفاؤل والخوف في آنٍ معًا، فهم يرون في الذكاء الاصطناعي تهديدًا للوظائف وفواتير الكهرباء والبيئة المحيطة بهم، غير أنهم لا يخفون انجذابهم إلى الفرص التي قد يفتحها، وهذا الانقسام الداخلي لدى الناخب الأمريكي هو ما يجعل المرشحين يتحاشون مواقف حادة، ويكتفون بالتحرك على الهامش.
على أرض الواقع، رصد بريت بوكانان، مؤسس شركة الاستطلاع الجمهورية Cygnal، نمطًا متكررًا في مجموعات النقاش منذ نهاية العام الماضي، إذ يبادر أحد المشاركين إلى انتقاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات دون أي استفزاز، فتتحول الجلسة إلى موجة متصاعدة من الاعتراضات، لافتًا إلى أن ردة الفعل الفورية للناخبين هي "لا، بالتأكيد لا".
وقد ترجم هذا الغضب الشعبي ضغطًا حقيقيًا على المرشحين، ولعل أبرز الأمثلة ما جرى في تكساس، حيث اضطر الحاكم الجمهوري جريج أبوت إلى التراجع عن دعمه شبه المطلق لمراكز البيانات، وأعلن حزمة لوائح صارمة، بعد أن تعرض لانتقادات حادة من منافسته الديمقراطية جينا هينوخوسا وعدد من الجمهوريين البارزين أنفسهم، فضلًا عن تحذير الرئيس دونالد ترامب له من التفريط في المكاسب الاقتصادية التي تجلبها هذه المراكز.
وفي نيوجيرسي، فاجأ النائب الديمقراطي فرانك بالوني المراقبين بدعمه حظرًا وطنيًا على مراكز البيانات، وهو موقف لم يكن ليتوقعه أحد من سياسي معروف بوسطيته، غير أنه جاء في أعقاب ضغوط انتخابية متصاعدة حول ارتفاع فواتير الكهرباء المرتبطة بتوسع هذه المراكز.
تشابه في القلق واختلاف في الخطاب
تكشف واشنطن بوست عن تباين واضح في زاوية كل حزب لمعالجة هذا الملف، إذ إن الديمقراطيين أكثر من ضعفَي الجمهوريين في تناول قضايا الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات على مواقعهم الإلكترونية، بينما يهيمن الجمهوريون على خطاب الأمن القومي والمنافسة مع بكين.
ويجسد النائب جيب إيفانز من ولاية كولورادو هذا النهج، إذ يُحذر من أن "أمريكا لا تستطيع التخلف عن الصين في سباق الذكاء الاصطناعي"، في حين يُقدم على المستوى التشريعي مشاريع قوانين لخفض تكاليف الكهرباء على مراكز البيانات ودعم الشركات الأمريكية في مواجهة المنافس الصيني منخفض التكلفة.
في المقابل، يُؤطر الديمقراطيون القضية في سياق حماية العمال والفئات الهشة، إذ يدعو المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، عبد الصياد، إلى "تنظيم حقيقي للذكاء الاصطناعي يحمي فرص الشباب الوظيفية"، فيما تتحدث أجنحة اليسار الديمقراطي عن منظومة سياسية متكاملة تشمل الحماية من الهجمات الإلكترونية وأضرار الذكاء الاصطناعي على الأطفال.
ورغم هذا الاختلاف في الخطاب، يتقاطع الحزبان في التعبير عن قلق موازٍ من ضياع الوظائف، وفي الاحتفاء بالفرص المحتملة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.
الزلزال الحقيقي لم يقع بعد
يُجمع المحللون الذين استطلعت آراءهم واشنطن بوست على أن لا أحد من الحزبين بلور بعد رؤية واضحة وجريئة تلامس قلق الناخبين الحقيقي.
وتؤكد أليسا كاس، الشريكة في شركة الاستراتيجيات السياسية الديمقراطية Slingshot، أن "من يفعل ذلك أولًا سيجني ثمارًا انتخابية ضخمة".
أما كليف يونج، رئيس شركة Ipsos للأبحاث، فيذهب إلى أبعد من ذلك، محذرًا من أن موجة شعبوية معادية للذكاء الاصطناعي قد تتجذر في المشهد السياسي الأمريكي إذا اقترن انعدام الثقة بالمنظومتين السياسية والاقتصادية بموجة تسريح واسعة للعمالة، مؤكدًا أن "القضية أعمق من التكنولوجيا، إنها تعبير عن قناعة بأن كل شيء لم يعد يعمل".
وبينما يتجه المشهد نحو مزيد من التصعيد، يرى النائب الديمقراطي جريج كاسار من تكساس أن الغضب الراهن من مراكز البيانات "ليس سوى بداية الزلزال السياسي القادم" إذا أخذ الذكاء الاصطناعي فعلًا في ابتلاع الوظائف.
وتتوقع واشنطن بوست أن يحتل هذا الملف مكانة محورية أوسع في انتخابات الرئاسة عام 2028، في ظل بدء شخصيات بارزة كنائب الرئيس جي دي فانس والحاكم الكاليفورني غافن نيوسوم في صياغة مواقفهم تحسبًا للمعركة القادمة.