لم يكن إقرار قانون للعفو العام المشروط عن السجناء اليوم هو الأول من نوعه في لبنان، لكنه الأكثر إثارة للجدل والانقسام السياسي منذ نحو 35 عامًا، إذ يرجع آخر قانون للعفو العام في لبنان إلى عام 1991 الذي أُقر لطي صفحة الحرب الأهلية وتغطية الجرائم المرتكبة خلالها.
القانون الذي أقره مجلس النواب اللبناني اليوم، جاء بعد محاولات مستمرة ويائسة منذ عام 2014 كانت تستهدف وقتها تسوية ملف المحبوسين من التيارات الإسلامية على ذمة قضايا إرهاب، لكنها اليوم باتت ضرورة بعد اكتظاظ السجون في لبنان، إضافة إلى اتفاقية بين سوريا ولبنان لتسليم المسجونين السوريين بمن فيهم المنتمين للتيارات الإسلامية المسلحة والمدانين في قضايا إرهاب لقضاء باقي مدة العقوبة في دمشق، ما أدى إلى رفع الصوت داخليًا للعفو عن اللبنانيين المتهمين في نفس قضايا الإرهاب.
انقسام سياسي حاد
على خلاف قوانين العفو العام السابقة، أُقرَّ قانون العفو اليوم بعد أكثر من عام ونصف العام من الخلافات السياسية الحادة منذ تقديم الاقتراح أواخر عام 2024، وبعد سجال غير مسبوق حول موقف الجيش اللبناني الرافض للإفراج عن المتهمين في قضايا إرهاب، وفي الجلسة نفسها التي أقر فيها المجلس إلغاء عقوبة الإعدام، وهو ما أعاد خلط حسابات المستفيدين من تخفيض العقوبات.
ولم يكن التصويت برفع الأيدي في مجلس النواب اللبناني، اليوم الأربعاء، سوى المشهد الأخير في مسار طويل ومتشعب لقانون تحوّل تدريجيًا من محاولة لمعالجة ملف المحبوسين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون أحكام، واكتظاظ السجون، إلى تسوية تشريعية واسعة تتقاطع فيها ملفات المحبوسين والمسجونين الإسلاميين بعقوبات طويلة، وجرائم المخدرات، والعائدين من إسرائيل، وحقوق الضحايا، إضافة إلى العلاقة الحساسة بين العفو عن الجرائم المرتكبة بحق الجيش وبين المؤسسة العسكرية نفسها. ولم يكن القانون بمعزل أيضًا عن قضية انفجار مرفأ بيروت البحري التي لا تزال قيد التحقيق.
وعلى الرغم من موافقة أكثرية أعضاء مجلس النواب على مشروع القانون، فإن جلسة إقراره كشفت عن أن التوافق الذي أُنجز حوله على مدار عام ونصف العام لم يكن كاملًا؛ فقد وصل الخلاف إلى حد انسحاب كتلتين نيابيتين وهما: كتلة التيار الوطني الحر (تكتل لبنان القوي، وقوامه 13 نائبًا) وكتلة حزب الله (كتلة الوفاء للمقاومة، وقوامها 13 نائبًا ينتمون للحزب إضافة إلى نائبين مستقلين).
جلسة نيابية مثيرة
وسبق أن تم طرح مشروع القانون في جلسة سابقة، ولكن الخلافات السياسية الحادة أدت إلى تعطيل مناقشة القانون عبر انسحاب كتل نيابية أفقدت الجلسة نصابها القانوني اللازم لطرح المشروع. وبعد اجتماعات مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة خارج المجلس، تم التوافق على أن يتم طرح مشروع القانون مقرونًا بمشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام على أن يكون المشروع الأخير هو البند الأول للجلسة. وسرعان ما تمت الدعوة لجلسة تشريعية أمس الثلاثاء لمناقشة القانونين.
وبالفعل، في بداية جلسة الثلاثاء 11 أغسطس 2026، تم إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام ولكن مع الوضع في الاعتبار قانون العفو العام، حيث بنت اللجان المشتركة سوية العفو على تحويل عقوبة الإعدام، بالنسبة للجرائم غير المشمولة بالعفو، إلى 28 سنة سجنية (تساوي 9 أشهر)، والمؤبد إلى 17 سنة، مع تخفيض باقي العقوبات بنسبة الثلث. لكن إقرار إلغاء عقوبة الإعدام أولا واستبدالها بالمؤبد أثار اعتراض كتل نيابية رأت أن بعض المسجونين قد يستفيدون مرتين: مرة بتحويل الإعدام إلى المؤبد، ومرة ثانية بتطبيق التخفيض المنصوص عليه في قانون العفو، وسط تحذيرات من أن يؤدي التداخل بين القانونين إلى استفادة أشخاص متهمين أو مسجونين في جرائم بالغة الخطورة.
بداية مشروع القانون
قضية الإفراج عن المنتمين للتيارات الإسلامية تصدرت واجهة السياسة اللبنانية منذ عام 2014، وسبق أن طُرحت مشاريع وصيغ مختلفة في مجالس نيابية سابقة من دون التوصل إلى قانون شامل يحظى بالتوافق. أما المسار التشريعي الذي انتهى إلى قانون أغسطس 2026، فبدأ رسميًا في 31 ديسمبر عام 2024 عندما سجّل ثمانية نواب اقتراح قانون مُعجّلًا مكررًا بعنوان "منح عفو عام وتخفيض مدد بعض العقوبات بشكل استثنائي". ووقّع على اقتراح النواب عدد من نواب السُنة بينهم النائب عن الجماعة الإسلامية (تنظيم الإخوان المسلمين) عماد الحوت.
وكانت الدوافع المعلنة هي معالجة اكتظاظ السجون، والبطء الشديد في المحاكمات، ووجود محبوسين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان قبل صدور أحكام نهائية أو حتى أحكام بحق بعضهم، إلى جانب ملف المنتمين للجماعات الإسلامية المسلحة الذي اكتسب على مر السنوات بُعدًا سياسيًا وطائفيًا.
وصل الاقتراح إلى الجلسة التشريعية بتاريخ 15 مايو 2025، وكان البند 83 على جدول الأعمال، لكن المجلس لم يناقشه يومها، وسقطت عنه صفة "العجلة" وأُحيل إلى اللجان لمزيد من الدراسة، في أول محطة واضحة تؤكد أن تمريره بصيغته الأصلية لم يكن ممكنًا سياسيًا أو قانونيًا.
ومنذ ذلك الحين دخل النص في مرحلة تفاوض طويلة. وبعد الحرب والتطورات السياسية والأمنية التي شهدها لبنان، عاد الملف بقوة في أبريل 2026، وبدأت اللجان النيابية المشتركة، التي ضمت لجان المال والموازنة، والإدارة والعدل، والدفاع الوطني والداخلية والبلديات، وحقوق الإنسان، اجتماعات مكثفة لمناقشته بحضور وزراء العدل والدفاع والداخلية وممثلين عن الإدارات المعنية.
كانت الأسئلة التي قسمت النواب كبيرة: مَن يستحق العفو؟.. هل يشمل مَن ارتكبوا جرائم بحق الجيش؟.. ماذا عن جرائم القتل والإرهاب؟.. ما الحد الفاصل بين مروجي المخدرات وتجارها وشبكاتها المنظمة؟.. ماذا عن الحق الشخصي للضحايا؟.. وهل يعالج القانون الموقوفين الذين لم يحاكموا أو يتحول إلى باب لتخفيض عقوبات محكومين بجرائم خطيرة؟
مَن سيخرج مِن السجن؟
قال النائب عماد الحوت في تصريحات صحفية بعد الجلسة، إن 79 محبوسًا من التيارات الإسلامية سينطبق عليهم القانون من أصل 146 وذلك نتيجة الصيغة التي تم إقرارها بعد تعديل النصوص، معتبرًا أن هناك إجراءات أخرى يجب القيام بها للإفراج عن الجميع.
وتشمل دائرة المستفيدين، بصورة أوسع، مرتكبي الجرائم التي وقعت قبل 1 مارس 2026 ولم ترد ضمن لائحة الاستثناءات، إضافة إلى أن أغلب المسجونين يمكن أن يستفيدوا من التخفيض الاستثنائي للعقوبات.
كما يستفيد من العفو بعض المتهمين أو المحكومين في جرائم مرتبطة بزراعة المخدرات وبعض الجرائم الأقل خطورة في هذا الملف، بينما تبقى الشبكات المنظمة والجرائم المستثناة خارج نطاق العفو وفق الضوابط التي وضعها القانون.
فيما قال النائب نبيل بدر إنه سيجري العمل في المرحلة المقبلة على ملف الشيخ أحمد الأسير أمام المحكمة العسكرية بهدف خفض الحكم الصادر بحقه بما يسمح له بالاستفادة من أحكام التخفيض. وهذا يعني أن "الأسير" لا يخرج تلقائيا بمجرد إقرار العفو، حيث يواجه عدة أحكام أبرزها حكم الإعدام الصادر بحقه من المحكمة العسكرية عام 2017 في ملف "أحداث عبرا" (الذي قبل طلب نقضه لاحقا أمام محكمة التمييز العسكرية لإعادة المحاكمة)، إضافة إلى حكم بالسجن لمدة 20 عامًا مع الأشغال الشاقة صدر عام 2021 في قضية "ملف بحنين".
ورغم أن المدة التي قضاها في السجن تجاوزت 12 سنة سجنية (حيث تم القاء القبض عليه في 15 أغسطس 2015 في مطار بيروت الدولي أثناء محاولته الفرار بجواز سفر مزور) إلا أن تعديل البند اليوم بحذف بند "الحكم النهائي" قطع الطريق أمام خروجه.
ويشمل القانون كذلك الأشخاص الذين أنهوا مدة عقوبتهم وظلوا في السجن بسبب عدم قدرتهم على دفع الغرامات، وفق الضوابط الواردة في النص، بينما يُسلم المستفيدون غير اللبنانيين إلى الأمن العام لمعالجة أوضاعهم القانونية.
اللبنانيون في إسرائيل
هذه واحدة من أكثر مواد القانون حساسية، كما أنها تعرضت لكثير من الخلط، إذ استثنت صيغة مشروع القانون من العفو جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بإسرائيل، لكنها وضعت داخل الاستثناء نفسه استثناء آخر نصه: (باستثناء المشمولين بالفقرة 2 من المادة الأولى من القانون رقم 194 تاريخ 18 /11 /2011 الذين يعتبرون مستفيدين حكمًا من قانون العفو العام الحالي) وهو ما يعني أن القانون الجديد يعيد تفعيل الحل الذي وضعه البرلمان أصلًا عام 2011 لمعالجة أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل إثر انسحابها من الجنوب في مايو 2000، لكنه ظل معطلًا عمليًا لعدم اكتمال آليات تنفيذه.
ويميز قانون 2011 بين فئتين أساسيتين: من انضووا عسكريًا أو أمنيًا في "جيش لبنان الجنوبي"، وهؤلاء لا يمنحهم القانون عودة بلا مساءلة بل يخضعون للمحاكمة أمام القضاء اللبناني؛ وبين المدنيين الذين لم ينخرطوا عسكريًا أو أمنيًا وعائلاتهم ممن لجأوا إلى إسرائيل إثر تحرير الشريط الحدودي في 25 مايو 2000.