الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

بعد 3 آلاف عام.. أبواق توت عنخ آمون تروي حكاية مصر القديمة

  • مشاركة :
post-title
بوق الملك الفرعوني توت عنخ آمون

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

سلّطت شبكة «سي إن إن» الأمريكية الضوء على جانب نادر من الحضارة المصرية القديمة، من خلال قصة أبواق الملك الفرعوني توت عنخ آمون، التي ظلت صامتة لأكثر من 3 آلاف عام، قبل أن تستعيد صوتها في بث إذاعي بريطاني عام 1939، في واقعة نقلت صوت آلة موسيقية من مصر القديمة إلى ملايين المستمعين حول العالم، وكشفت في الوقت نفسه عن المخاطر التي أحاطت بمحاولة إعادة استخدام هذه القطع الأثرية النادرة.

واستمع نحو 150 مليون شخص حول العالم، في أمسية من أبريل عام 1939، إلى بث إذاعي استثنائي عبر هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، لا يزال يثير الدهشة حتى اليوم، بعدما أعاد إلى مسامع الجمهور صوت أبواق فرعونية ظلت صامتة لأكثر من 3 آلاف عام داخل مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون.

وقال مذيع هيئة الإذاعة البريطانية: «أبواق الفرعون توت عنخ آمون»، قبل أن تأتي نفخة قصيرة، ثم ينطلق صوت أحد الأبواق التي ظلت مدفونة داخل مقبرة الملك لأكثر من 3 آلاف عام. واستمر العزف نحو دقيقة، بينما انتقلت النغمات ذات الطابع العسكري من المتحف المصري في القاهرة عبر موجات الإذاعة إلى أنحاء العالم.

أبواق الفراعنة
جسر سمعي

وصفت سليمة إكرام، أستاذة علم المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، التسجيل بأنه «جسر سمعي وحسي بين زمن توت عنخ آمون وعصرنا الحالي»، بينما قال عازف الفرقة العسكرية البريطانية جيمس تابيرن، الذي نفخ في أقدم الأبواق المعدنية الباقية في العالم، إن الإحساس الناتج عن ذلك كان استثنائيًا.

كان البوق واحدًا من اثنين صغيرين ومزخرفين عُثر عليهما ضمن كنوز توت عنخ آمون، أحدهما مصنوع من الفضة، بينما يُعتقد أن الآخر مصنوع من البرونز أو النحاس. وقالت إكرام إن الأبواق ربما كانت تُستخدم أثناء مواكب الملك، مشيرة إلى أن الرسوم المصرية القديمة تظهر استخدامها في المناسبات العسكرية والدينية والاحتفالية.

وتطلب صنع الأبواق حرفيين مهرة في تشكيل المعادن، قادرين على إنتاج آلات موسيقية تجمع بين الجمال والقدرة على إصدار الأصوات، بينما حملت أطرافها المزخرفة نقوشًا دقيقة تتضمن زخارف نباتية وصورًا لآلهة مصرية. ورأت إكرام أن وجود بوقين، أحدهما بلون المعدن النحاسي الذي يشبه الشمس والآخر فضي يشبه القمر، ربما يرمز إلى ساعات النهار والليل، في إطار رحلة توت عنخ آمون من العالم إلى الحياة الأخرى.

تسجيل غامض

أعاد تسجيل عام 1939 إحساسًا غريبًا بالانتقال عبر الزمن مرتين؛ إذ استمع الأشخاص المتجمعون حول أجهزة الراديو في ثلاثينيات القرن الماضي إلى صوت آلة موسيقية تعود إلى مصر القديمة، لكن ظروف تسجيل ذلك الصوت كادت تؤدي إلى تدمير أحد البوقين، كما عكست مدى اختلاف أساليب التعامل مع الآثار في ذلك الوقت عن المعايير المتبعة حاليًا.

وكادت التجربة ألا تتم أصلًا، إذ وُضع خلال التدريبات فمٌّ موسيقي حديث في نهاية البوق الفضي، وعندما نفخ العازف فيه تحطم البوق، فيما أفادت تقارير بأن عالم الآثار ألفريد لوكاس، الذي كان ضمن فريق هوارد كارتر الذي اكتشف المقبرة، أُصيب بصدمة شديدة نُقل على أثرها إلى المستشفى.

ورغم ذلك، قرر الفريق إجراء محاولة أخرى باستخدام البوق بعد إصلاحه، لكن الكهرباء انقطعت في المتحف قبل وقت قصير من البث، واضطر المشاركون إلى إجراء الجلسة على ضوء الشموع. وبعد أشهر قليلة من عزف الأبواق، اندلعت الحرب العالمية الثانية، ما دفع البعض إلى ربط الأحداث بما يُعرف بـ«لعنة توت عنخ آمون»، وهو تفسير رفضته إكرام سريعًا.

وبسبب هشاشة البوقين، يُرجح ألا يتم عزفهما مرة أخرى. وقالت إكرام إنه كان من الأفضل، في الظروف المثالية، صنع نسخة طبق الأصل واستخدامها بدلًا من القطعتين الأصليتين، مؤكدة أن التجربة لن تكون مماثلة تمامًا، لكنها كانت ستجنب المخاطر، معتبرة أن ما حدث كان درسًا مهمًا في التعامل مع الآثار.

تجربة أبواق الفراعنة في 1939
مقر جديد

انتقلت الأبواق اليوم إلى مقر جديد داخل المتحف المصري الكبير، الذي افتُتح في نوفمبر، حيث تُعرض القطعتان داخل خزائن مجهزة بأنظمة للتحكم في درجات الحرارة، في منشأة حديثة تقع على مرأى من أهرامات الجيزة.

وأوضحت جاسمين عبدالرؤوف، عالمة الآثار وأمينة معرض توت عنخ آمون بالمتحف، أن النوى الخشبية الأصلية الموجودة داخل الأبواق ساعدت في الحفاظ على شكل المعدن، لكن وجود الخشب، باعتباره مادة عضوية، يتطلب ضبط درجة الحرارة داخل خزائن العرض بعناية، بحيث تتراوح بين 18 و22 درجة مئوية.

وأصبحت الحماية الأمنية أيضًا عنصرًا أساسيًا في عرض القطعتين، بعدما سُرق أحد البوقين من المتحف المصري في القاهرة خلال أحداث عام 2011، قبل العثور عليه بعد أسابيع داخل حقيبة في إحدى محطات مترو القاهرة إلى جانب آثار أخرى مسروقة، وقالت عبدالرؤوف إن المتحف الجديد لا يعتمد على حماية المبنى فقط، وإنما يستخدم نظامًا أمنيًا معقدًا مخصصًا لكل قطعة معروضة.

آثار هشة

أثار بث عام 1939 تساؤلات بشأن ما إذا كانت إعادة تشغيل البوقين تستحق المخاطرة، وقالت الصحفية وعالمة الآثار كريستين فين، التي كتبت عن القطعتين وألفت كتاب "Artifacts: An Archaeologist’s Year in Silicon Valley"، إن الرغبة في الاقتراب من الماضي ورؤيته وسماعه بصورة مباشرة قد تدفع البعض إلى قبول مخاطر كبيرة.

وقارنت فين ذلك بالجدل الذي أثارته إعارة نسيج بايو الفرنسي، الذي يعود إلى ما يقرب من ألف عام، إلى المتحف البريطاني، إذ عارضت أوساط فنية فرنسية الخطوة خشية تعرض التطريز العائد إلى القرن الحادي عشر للتلف، كما وصف الفنان البريطاني ديفيد هوكني الخطة بأنها "جنون" قبل وفاته في يونيو.

وأعادت هذه الوقائع فتح نقاش أوسع حول دور المتاحف في عصر يمكن فيه مشاهدة القطع الأثرية الشهيرة عبر الإنترنت، إذ تذكرنا حوادث تحطم الأبواق وانقطاع الكهرباء وتعطل التسجيل الأصلي للبث الإذاعي بهشاشة الآثار وقيمتها، وقالت فين إن جعل كل شيء مثاليًا ولامعًا، وربما مولدًا بالذكاء الاصطناعي، قد يفقده جزءًا من معناه.