كشفت صحيفة واشنطن بوست، في تحقيق استقصائي، أن إدارة ترامب جمّدت عشرات التحقيقات الفيدرالية المكتملة في قضايا التمييز العنصري والتحرش الجنسي بالمدارس الأمريكية، بعد أن قلّصت طاقم مكتب الحقوق المدنية بأكثر من النصف، وأغلقت 7 من مكاتبه الإقليمية الـ12.
ووفقًا للصحيفة، لم يُنجز المكتب، منذ مطلع 2025، سوى ثلاث اتفاقيات حل في ملفات التمييز العنصري، مقارنةً بـ25 اتفاقية طوال عام 2024، فيما لم تُسجَّل ولا اتفاقية واحدة تخص التحرش الجنسي، بعد أن بلغت 47 في العام ذاته، تاركةً أطفالًا من ولايات متعددة يعانون التنمر والإهانة دون حماية أو مساءلة.
صمت حكومي
بدأت المعاناة حين دخلت الطفلة الصف الخامس عام 2023، لتجد نفسها الوحيدة ذات البشرة السمراء في صفها.
على الحافلة المدرسية، وفي الممرات والفناء، تلقت إهانات متكررة بألفاظ عنصرية بالغة القسوة.
وفي شهر فبراير، وعلى خلفية درس عن تاريخ العبودية، أقبل عليها زميل أبيض قائلًا: "يا عبدة، أين أدواتك لتعودي إلى العمل؟ أحتاج إلى قطن".
وحين اشتكت الطفلة للمسؤولين في المدرسة، رد عليها أحدهم بسؤال صادم: "إذا كنتِ لا تظنين أن هذا وصف دقيق لكِ، فلماذا تأتين لتشكين؟"، وحين لجأت الطفلة إلى مسؤولي المدرسة مرارًا دون جدوى، قررت والدتها أخذ الأمر إلى مستوى أعلى، فبحثت على هاتفها عن "حقوق مدنية"، ووجدت نموذج الشكوى الفيدرالي وملأته، كاتبةً: "ابنتي تتعرض للتنمر لدرجة أنها لا تستطيع التركيز في دراستها، وأحتاج إلى مساعدة".
تحقيق مكتمل واتفاقية لم تُولد
وفقًا لما رصدته واشنطن بوست، فتح مكتب الحقوق المدنية التابع لوزارة التعليم الأمريكية تحقيقًا رسميًا في يونيو 2024، وبحلول الخريف كان المحققون قد وثقوا الوقائع وخلصوا إلى أن المدرسة أخفقت في التعامل مع التمييز بالصورة المطلوبة.
وفي يناير 2025، أُرسل إلى المدرسة مشروع اتفاقية حل يُلزمها بتتبع الحوادث، وتدريب الموظفين والطلاب، وإجراء استطلاع لقياس المناخ المدرسي، وتقديم الإرشاد النفسي والدعم الأكاديمي للطفلة المتضررة.
غير أن الاتفاقية لم تُوقَّع قط، وما إن بدأت ولاية ترامب الثانية حتى تجمّد كل شيء، وأُغلق المكتب الإقليمي المشرف على القضية في كليفلاند، وفُصل المحامي المختص بها.
الأرقام تكشف حجم التراجع
تظهر أرقام واشنطن بوست المستقاة من قاعدة بيانات وزارة التعليم حجم الانهيار في الأداء، إذ فيما أنجزت الوزارة عام 2024 نحو 25 اتفاقية حل تتعلق بالتحرش العنصري، و47 أخرى تتعلق بالتحرش الجنسي، لم تُسجَّل منذ مطلع 2025 سوى ثلاث اتفاقيات عنصرية، ولا اتفاقية جنسية واحدة.
ويعزو موظفون حاليون وسابقون، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم، هذا التراجع إلى قرارين متلازمين، أولهما هو تقليص طاقم المكتب بأكثر من النصف، وإغلاق 7 من 12 مكتبًا إقليميًا، والثاني هو تحويل الأولويات نحو ملفات أخرى، كالتمييز في المنح الدراسية القائمة على العرق، وبرامج التنوع والمساواة.
وقد أقرت كيمبرلي ريشي، مساعدة وزير التعليم لشؤون الحقوق المدنية، بوجود متراكم يبلغ نحو 19 ألف قضية موروثة من إدارة بايدن، نافيةً أي نية متعمدة لتعطيلها.
ضحايا في انتظار عدالة لا تأتي
لا تقف المأساة عند حدود ميشيجان، إذ رصدت واشنطن بوست 8 حالات مماثلة جُمّدت جميعها.
في لودلو بولاية ماساتشوستس، وثق المحققون إساءات عنصرية ممنهجة بين 2021 و2024، وكادت اتفاقية تُلزم المدرسة بدفع رسوم دراسية لطالب اضطر للرحيل أن تُبرم في يناير 2025، قبل أن تنقطع الاتصالات كليًا.
وفي جراند جانكشن بولاية كولورادو، تعرض طالبان من أصول شرق أوسطية لتنمر مستمر في الفناء والممرات ودورات المياه، حيث وُصفا بألفاظ مسيئة، ونُعتا بالإرهاب، وأُمرا بالعودة إلى بلدهما، دون أن تكتمل إجراءات المساءلة.
وفي فينيكس بولاية أريزونا، تعطل ملف طفلين شقيقين تراجعت درجاتهما وتدهورت صحتهما النفسية جراء التحرش الجنسي، وكانت الحكومة في مرحلة التفاوض الأخيرة مطلع 2025 حين توقف التواصل فجأة.
"لا أتوقع منهم مساعدة بعد الآن"
على المستوى الإنساني، قال مايكل بيليرا، العامل في مكتب الحقوق المدنية، لصحيفة واشنطن بوست: "دور وزارة التعليم هو ضمان ألا يتعرض الطلاب للتمييز حتى يتمكنوا من الاستفادة من تعليمهم. ما يحدث الآن هو أن الوزارة تقول: لن نفعل ذلك".
وفي ميشيجان، لا تزال الطفلة التي انطلقت منها القصة تتلقى الإرشاد النفسي، فيما تفكر والدتها في تحويلها إلى مدرسة أخرى.
وختمت الأم بجملة تختصر وجع كثيرين: "لم أعد أتوقع منهم مساعدة".