كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن حرب إيران تتضمن ادعاءات مضللة حول ثلاثة ملفات، وهي: نضوب الترسانة العسكرية الذي حمّل فيه إدارة بايدن المسؤولية، وأسعار النفط التي احتفى بهبوطها اليومي، متجاهلًا ارتفاعها 20% عن مستويات ما قبل الحرب، وأخيرًا مقارنته للخسائر البشرية الأمريكية بحروب سابقة بأسلوب انتقائي يُغفِل عشرات الضحايا، إلا أن الأرقام والحقائق الميدانية تقول غير ذلك.
أوكرانيا الشماعة والحقيقة في الذخائر
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أنه حين سُئل ترامب عن مخاوف الاستنزاف العسكري، أشار بأصابع الاتهام نحو المساعدات التي أرسلها بايدن إلى أوكرانيا، مؤكدًا أن واشنطن لا تزال تمتلك "الكثير من الذخائر أكثر مما يمكنها استخدامه".
وأقرّت واشنطن بوست بأن المساعدات لأوكرانيا كانت ضخمة فعلًا، إذ كشف ملف حقائق البنتاجون، الصادر في يناير 2025، أن إدارة بايدن نقلت أكثر من مئة نوع من المعدات إلى كييف منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، غير أنها وصفت الادعاء بأنه "مضلل"، مستندةً إلى تحليل العقيد المتقاعد مارك كانسيان، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، الذي أوضح أن تلك المساعدات كانت في جوهرها معدات قتال بري، بين مدرعات، ودبابات، وصواريخ مضادة للدروع من طراز جافلين وتاو، ومنظومات مدفعية وملايين الطلقات، وهي أسلحة لا علاقة لها بطبيعة حرب إيران التي تُخاض في الفضاء الجوي لا على الأرض.
الترسانة الجوية تنزف والأرقام تتكلم
تشير تحقيقات نيويورك تايمز ومصادر عسكرية وتقديرات كانسيان، إلى أن الحرب الجوية مع إيران استنزفت الذخائر الأمريكية الدقيقة بوتيرة مقلقة، إذ استُخدِم أكثر من ألف صاروخ توماهوك كروز من أصل ثلاثة آلاف، وما يزيد على ألف ومئة صاروخ JASSM من إجمالي 4400، كما استُنفد نحو 1200 صاروخ باتريوت من مخزون لا يتجاوز 2330 وحدة. والأخطر في المشهد هو منظومات الدفاع الجوي المتخصصة، إذ استُهلك ما بين 40 و70 صاروخًا من طراز PrSM من أصل 90 فحسب، وبين 130 و250 صاروخ SM-3 من 410، وما بين 190 و290 صاروخ ثاد من مخزون لا يتعدى 360.
وقد رفعت هذه الأرقام مخاوف علنية من مسؤولين في إدارة ترامب والكونجرس وخبراء عسكريين مستقلين على حد سواء.
أما واشنطن فقدمت لأوكرانيا من هذه القائمة 600 صاروخ باتريوت فقط، وعددًا من صواريخ ستينجر قصيرة المدى، مما يُثبت أن جذر الأزمة الراهنة في الذخائر الجوية يكمن في الحرب ذاتها لا في ما سبقها.
النفط يهبط يومًا ويرتفع أسبوعًا
احتفى ترامب بانخفاض أسعار النفط، يوم الاثنين، عقب هدنة مؤقتة في القتال، وهو ما أكدته الأرقام فعلًا، إذ تراجع خام برنت بنحو 9% ليُغلق عند 88 دولارًا للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس بأكثر من 7% إلى قرابة 83 دولارًا، في أكبر تراجع يومي منذ أواخر مايو، غير أن الصحيفة وضعت هذه الأرقام في سياقها الكامل، إذ إن الأسبوع الذي سبق تلك التصريحات شهد تخطي الأسعار حاجز المئة دولار، ثم عاودت الصعود، يوم الأربعاء، لتلامس 91 دولارًا.
والمعادلة الأهم أن سعر برنت كان يقف عند 72 دولارًا قبيل اندلاع الحرب في فبراير، ما يعني أن الهبوط اليومي الذي احتفى به ترامب لا يُخفي حقيقة أن الأسعار لا تزال أعلى بنحو 20% من مستوياتها في زمن السلم.
أرقام الضحايا ومقارنة مُضلِّلة
أشارت واشنطن بوست إلى أن ترامب شارك، في يوليو الماضي، رسمًا بيانيًا يُقارِن فيه الخسائر البشرية الأمريكية عبر الحروب، مُبرِزًا أن إيران لم تُكلِّف سوى 18 قتيلًا، مقابل 4600 في العراق، وأكثر من ألفين في أفغانستان، وهي أرقام وصفتها الصحيفة بأنها "دقيقة تقريبًا"، لكنها "بحاجة إلى سياق"؛ إذ إن المقارنة تجمع عمليات محدودة بحروب امتدت لعقود عبر إدارات متعاقبة، كما يتجاهل الرسم عمدًا أكثر من 600 جريح في إيران وسبعة في فنزويلا، فضلًا عن مقتل جنديين خلال عمليات في سوريا ديسمبر 2025، ونحو ستين حالة وفاة سُجِّلَت في أفغانستان وحملات أخرى خلال ولاية ترامب الأولى.
ولا يُشير الرسم إلى أن عمليات محدودة سابقة تحت رؤساء آخرين سجلت هي الأخرى صفر وفيات قتالية، كعملية ازدهار الحارس البحرية عام 2023 لمواجهة الحوثيين في البحر الأحمر، وقصف كوسوفو عام 1999.