على مدار أكثر من خمسين عامًا، ظل الفنان سعيد صالح واحدًا من أكثر الفنانين حضورًا على خشبة المسرح وشاشة السينما، مقدمًا مئات الأعمال التي تحولت إلى علامات خالدة في تاريخ الفن.
أضحك الملايين بخفة ظله وعفويته، ورسم البسمة على وجوه أجيال كاملة، حتى أصبح واحدًا من أبرز أيقونات الكوميديا في تاريخ الفن المصري، لكن خلف تلك الضحكة التي اعتاد الجمهور رؤيتها، عاش الفنان الكبير سعيد صالح سنواته الأخيرة في صراع قاسٍ مع المرض، بعيدًا عن الأضواء التي طالما تألق فيها.
شارك سعيد صالح في أكثر من 500 فيلم سينمائي، حتى إنه كان يعتبر أن نصيبه منها الثلث، لكنه كان يعدّ المسرح عشقه الأول، وقدم عليه نحو 300 عمل مسرحي.
وُلد سعيد صالح إبراهيم في 31 يوليو 1940 بمحافظة المنوفية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ويتخرج فيها عام 1960. وبين قاعات الدراسة وخشبة المسرح، اكتشف شغفه الحقيقي بالفن، لتبدأ رحلة غيّرت تاريخ الكوميديا المصرية.
وكانت الصدفة بوابة دخوله عالم التمثيل، بعدما شاهده الفنان حسن يوسف خلال اختياره عددًا من الطلاب للمشاركة في عرض مسرحي، فأعجب بخفة ظله وسرعة بديهته، وقدمه إلى مسرح التلفزيون، لتنطلق مسيرته الاحترافية.
وجاءت نقطة التحول الكبرى مع مسرحية مدرسة المشاغبين، التي أصبحت واحدة من أشهر المسرحيات العربية، قبل أن يواصل نجاحه بمسرحية العيال كبرت، ليصنع مع عادل إمام ويونس شلبي وأحمد زكي وهادي الجيار وسهير البابلي واحدة من أهم التجارب المسرحية في تاريخ الفن المصري.
ورغم الانتقادات التي تعرضت لها "مدرسة المشاغبين"، كان سعيد صالح يؤكد دائمًا أن المسرحية لم تصنع ظاهرة الشغب، بل عكست واقعًا اجتماعيًا قائمًا، وقدمت في النهاية رسالة تربوية واضحة، معتبرًا أن سر نجاحها الحقيقي كان روح الفريق، وإيمان جميع أبطالها بقيمة العمل الجماعي.
ولم يتوقف عطاؤه عند المسرح، بل امتد إلى السينما، حيث شارك في أكثر من 500 فيلم، وقدم أعمالًا أصبحت من كلاسيكيات الشاشة، من بينها سلام يا صاحبي، والمشبوه، والهلفوت، وعلى باب الوزير، وانتبهوا أيها الأزواج، والصبر في الملاحات، وغيرها من الأفلام التي لا تزال تحظى بمشاهدة واسعة حتى اليوم.
وشكل مع الزعيم عادل إمام واحدًا من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ السينما المصرية، إذ جمعتهما صداقة طويلة انعكست على الشاشة في أعمال لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور.
كما امتلك سعيد صالح موهبة أخرى بعيدًا عن التمثيل، إذ شارك في تلحين عدد من المسرحيات، منها "قاعدين ليه؟" و"البعبع"، كما غنى ولحن في فيلمي أولاد حظ والمزيكاتي، مؤكدًا أنه فنان متعدد المواهب.
ورغم أنه منح الجمهور البهجة لعقود طويلة، جاءت نهايته مختلفة تمامًا، إذ أنهكه المرض تدريجيًا، وكان ظهوره الأخير في فيلم "زهايمر" أكثر من مجرد أداء تمثيلي، بل انعكاسًا مؤلمًا لواقعه.
ومن أكثر محطات حياته تأثيرًا، مشاركته في فيلم "زهايمر" عام 2010، الذي جسد خلاله شخصية مريض بالزهايمر، بينما كان يعاني بالفعل من المرض في سنواته الأخيرة. وكشف المخرج عمرو عرفة لاحقًا أن سعيد صالح ارتجل كلمات مؤثرة خارج النص أثناء التصوير، فيما لم يتمالك عادل إمام دموعه تأثرًا بالحالة الصحية لصديق عمره.
وفي الأول من أغسطس عام 2014، رحل سعيد صالح بعد صراع مع المرض، لكنه ترك إرثًا فنيًا خالدًا، ورسخ اسمه كأحد أهم نجوم الكوميديا في تاريخ الفن العربي، وفنانًا استطاع أن يحول البساطة والعفوية إلى مدرسة خاصة، لا تزال تلهم الأجيال وتمنح الجمهور الضحكة نفسها، مهما مر الزمن.