بات عشرات الآلاف من الأطفال المهاجرين غير المصحوبين في الولايات المتحدة على شفا مواجهة قضاة الهجرة دون أي سند قانوني، بعد أن انتهت مدة العقد الفيدرالي الذي كان يموّل تمثيلهم القانوني، وفي هذا الصدد كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن قادة منظمات غير ربحية عدة باتوا أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما إما تقليص خدماتهم أو إغلاق أبوابهم كليًا، في وقت تتراكم فيه مستحقاتهم لدى الحكومة الفيدرالية دون سداد.
24 ألف طفل في مهب الترحيل
رصدت "واشنطن بوست" أن المنظمات المعنية تتولى حاليًا تمثيل نحو 24 ألف طفل عبروا الحدود الجنوبية وحدهم دون ذويهم، وأغلبهم لا يحملون وضعاً قانونياً في البلاد، غير أنهم مؤهلون في الغالب للحصول على حق اللجوء أو تأشيرات حماية خاصة.
والمشكلة أن كثيرًا منهم لا يتقنون الإنجليزية، وبحسب ما أوردته الصحيفة، نقلًا عن المحامين المعنيين، فإن غياب التمثيل القانوني يرفع احتمالية صدور أوامر ترحيل بحقهم بصورة ملحوظة.
وتكشف بيانات رسمية نقلتها "واشنطن بوست" أن أقل من 2500 طفل محتجزون حاليًا في مراكز إيواء فيدرالية، ويمتد متوسط فترة احتجازهم إلى 117 يومًا، أي أربعة أضعاف ما كان عليه قبل عام واحد فقط.
ديون بالملايين وبرنامج يُخنق ماليًا
على الرغم من أن الكونجرس أقر قبل نحو عقدين تشريعًا بدعم ثنائي الحزبين يُلزم بتمويل هذا البرنامج صونًا للأطفال من الاستغلال، فإن إدارة ترامب توقفت عن سداد مستحقات المنظمات منذ نوفمبر الماضي، وتُقدر هذه الجمعيات مجتمعةً ما تراكم من ديون بنحو 65 مليون دولار، اضطرت على إثرها إلى الغوص في احتياطياتها المالية لمواصلة العمل.
وقد سبق لإدارة ترامب أن حاولت في فبراير 2025 تجميد عقد بقيمة 200 مليون دولار يمول هذه الخدمات، قبل أن تتراجع عن قرارها فجأة دون تفسير.
وفي هذا السياق، قال مايكل لوكينز، المدير التنفيذي لمركز "أميكا لحقوق المهاجرين"، لواشنطن بوست: "إنهم يسعون إلى تدمير البرنامج عبر إنهاك المنظمات مالياً، وقد شهدنا تسريحات وإجازات اضطرارية وسنشهد المزيد إن لم تُسدَد هذه المستحقات".
الباب الموصد أمام التجديد
كشفت "واشنطن بوست" أن مكتب إعادة توطين اللاجئين عرض تمديد العقد مشروطًا بإلزام المنظمات بمشاركة بيانات سرية تخص الأطفال ورعاتهم من الأقارب الساعين إلى لم شملهم بذويهم.
وهو ما رفضته المنظمات قطعيًا، محتجة بالتزاماتها القانونية والأخلاقية، ومُعربة عن مخاوف جدية من توظيف هذه البيانات في عمليات ترحيل وملاحقة الأسر.
في المقابل، نفى المكتب في بيان رسمي أن تكون إجراءاته تستهدف ثني الأطفال عن السعي للحصول على حمايتهم القانونية.
ولفت "لوكينز" إلى أن قضاة الهجرة وضباط الإنفاذ باتوا يضغطون على هؤلاء القاصرين لتوقيع استمارات المغادرة الطوعية، مؤكدًا أن "المحامي هو الضمانة الوحيدة لمحاكمة عادلة".
طفل أمام القاضي
لعل أبلغ ما يختصر هذه المأساة ما روته ميليسا لوبيز، المديرة التنفيذية لمنظمة "إستريا ديل باسو" للخدمات القانونية، لـ"واشنطن بوست"، عن طفل في السابعة من عمره وقف أمام قاضٍ في تكساس مُعلنًا رغبته في العودة لوطنه.
كان محاموه أرشدوه إلى الفارق الجوهري بين المغادرة الطوعية وأمر الترحيل وما يترتب على كل منهما من عواقب قانونية لا يدركها بالغون من غير المتخصصين، فضلًا عن طفل صغير.
وقالت لوبيز بمرارة: "لا يمكننا أن نتوقع من طفل أن يستوعب هذه الفروقات، فذلك أمر لا معنى له".
وأشارت إلى أن منظمتها التي كانت تضم 30 موظفًا ومحاميًا باتت على وشك الاكتفاء بـ3 موظفين لخدمة 243 طفلًا، في انتظار 1.2 مليون دولار من مستحقاتها المتأخرة. وخلصت إلى أن المسألة ليست قدرة القطاع الخيري على سد الفجوة، بل هي إخفاق الحكومة الفيدرالية في الوفاء بالتزاماتها القانونية.