أكد الفنان محمد رياض، رئيس المهرجان القومي للمسرح المصري، أن المهرجان شهد خلال السنوات الثلاث الماضية نقلة نوعية، بعدما تحول من مجرد فعالية فنية تقام سنويًا إلى حالة مسرحية متكاملة تمتد آثارها إلى مختلف المحافظات، مشيرًا إلى أن الدورة التاسعة عشرة تأتي استكمالًا لرؤية تستهدف ترسيخ مكانة المسرح المصري واستعادة ريادته.
وخلال لقائه عبر قناة "القاهرة الإخبارية"، أوضح رياض أن الهدف منذ توليه رئاسة المهرجان كان كسر فكرة أن المسرح موجه فقط للمتخصصين أو المهتمين بالفنون، والعمل على جذب الجمهور العادي، وهو ما انعكس بشكل واضح على ارتفاع معدلات الحضور والإقبال على العروض.
الجمهور أولًا
وأشار رئيس المهرجان إلى أن جميع فعاليات الدورة الحالية، وعلى رأسها الندوات، جرى تصميمها بما يخدم الجمهور ويعزز تفاعله مع المسرح، لافتًا إلى أن اختيار اسم "السيد الجمهور" لأحد عروض الافتتاح يحمل رسالة واضحة تؤكد أن الجمهور هو الشريك الأساسي في نجاح أي عمل مسرحي.
وأضاف أن التجربة أثبتت أن الناس تعود إلى المسرح عندما تجد ما يعبر عنها، قائلًا: "الناس أحبت المسرح من خلال المسرح".
وكشف محمد رياض أن الدورة الحالية تضم 34 عرضًا ضمن المسابقة الرسمية، إلى جانب ثلاثة عروض على هامش المهرجان، ليصل إجمالي العروض إلى 37 عرضًا تمثل مختلف أشكال الإنتاج المسرحي.
وأوضح أن هذه العروض تعكس تنوعًا كبيرًا، إذ تجمع بين إنتاج مسرح الدولة، والجامعات، والفرق المستقلة، والهواة، والشركات، بما يقدم صورة متكاملة عن تطور الحركة المسرحية المصرية واختلاف مدارسها الفنية وتقنياتها.
وأكد أنه بمجرد انطلاق العروض يترك مسؤولياته كرئيس للمهرجان ويتابع الأعمال بعين المتفرج، للاستمتاع بهذا الزخم الإبداعي الذي يصعب متابعته على مدار العام.
من الكيمياء إلى خشبة المسرح
واستعاد رياض جانبًا من رحلته الشخصية، موضحًا أنه عمل في بداياته بمجال الكيمياء، رغم تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن يخطفه المسرح بالكامل.
ووصف المسرح بأنه "عالم سحري"، مؤكدًا أن من يدخله لأول مرة يصعب أن يغادره، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأشخاص الذين اصطحبهم لمشاهدة عروض مسرحية أصبحوا أكثر حرصًا منه على متابعة المسرح باستمرار.
عروض أقصر
وأكد رئيس المهرجان أن طبيعة الجمهور تغيرت، وهو ما فرض تطوير شكل العروض المسرحية، مشيرًا إلى أن تقديم عروض تمتد لخمس أو ست ساعات لم يعد مناسبًا في الوقت الحالي.
وأوضح أن أغلب العروض أصبحت تتراوح بين ساعة وساعتين، بما يتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، دون التأثير على القيمة الفنية أو الرسالة التي يقدمها العمل.
لماذا لا تهدد السوشيال ميديا المسرح؟
وردًا على ما يثار بشأن منافسة وسائل التواصل الاجتماعي للمسرح، شدد محمد رياض على أن المسرح يظل فنًا مختلفًا يقوم على اللقاء الحي والمباشر بين الممثل والجمهور، وهو ما يمنحه خصوصية لا يمكن أن تعوضها أي وسيلة تقنية.
وأضاف أن هذه العلاقة الإنسانية المباشرة تظل سر تميز المسرح، سواء في الأعمال الكوميدية أو التراجيدية، مستشهدًا بأعمال شكسبير التي ما زالت تحتفظ بقيمتها رغم مرور مئات السنين.
طموح عربي
وأوضح رياض أن شعار "في كل مصر" لم يعد مجرد فكرة، بل أصبح واقعًا بعد نجاح المهرجان في الوصول إلى خمس محافظات خلال عامين، في إطار خطة تستهدف نشر الثقافة المسرحية خارج العاصمة.
كما كشف عن تطلعه إلى إقامة توأمة مع مهرجانات مسرحية عربية كبرى، مثل مهرجان قرطاج في تونس ومهرجان جرش في الأردن، بما يتيح تبادل العروض والخبرات، ويسهم في تعزيز التعاون الثقافي العربي، رغم ما تتطلبه هذه الخطوة من ترتيبات لوجستية وتنظيمية.
خارطة طريق للنهوض
وضع محمد رياض مجموعة من المحاور التي يرى أنها تمثل أساس تطوير المسرح المصري خلال المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن زيادة الإنتاج المسرحي أصبحت ضرورة لمواكبة النمو السكاني، إلى جانب التوسع في إنشاء مجمعات مسرحية حديثة تضم أكثر من قاعة عرض، مع توفير خدمات متكاملة مثل أماكن الانتظار والمناطق الترفيهية.
كما دعا إلى إعادة النظر في الضرائب المفروضة على النشاط المسرحي، باعتباره منتجًا ثقافيًا يحمل رسالة مجتمعية، وليس مجرد نشاط ترفيهي، مع ضرورة الحفاظ على أسعار تذاكر مناسبة تتيح لجميع فئات المجتمع الاستمتاع بالمسرح، بما يضمن استمرار الإقبال عليه وتعزيز دوره في بناء الوعي والثقافة.