نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس تنفيذ عمل عسكري في مالي، لاستهداف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة، بعد تصاعد هجماتها في دول غرب إفريقيا.
وفي حال الموافقة، ستصبح مالي الدولة الثامنة التي يأمر ترامب بشن ضربات فيها منذ بداية ولايته الثانية، رغم تأكيده في مستهل ولايته أنه سيكرس جهوده لإنهاء الصراعات العالمية وإعادة توجيه موارد الولايات المتحدة لخدمة الأمريكيين.
وضمت قائمة الدول التي أمر ترامب بشن غارات عليها اليمن، والصومال، وسوريا، وإيران، والعراق، ونيجيريا، وفنزويلا. كما شنت الإدارة الأمريكية حملة عسكرية مثيرة للجدل ضد تجار المخدرات المزعومين في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى.
وأشارت الصحيفة إلى وجود خلاف بين كبار المسؤولين الأمريكيين بشأن المضي قدمًا في مهاجمة الجماعة المسلحة في غرب إفريقيا، موضحة أن سيباستيان جوركا، المدير الأول لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، يُعد من أبرز المؤيدين لاستخدام القوة.
في المقابل، رفض مسؤول في الإدارة الأمريكية الكشف عما إذا كان الرئيس ينوي المضي قدمًا في تنفيذ الضربات، لكنه أكد أن الولايات المتحدة تحث حكومات شمال وغرب إفريقيا على شراء المعدات والخدمات الأمريكية لدعم جهودها في مكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أن الإرهاب في منطقة الساحل جنوب الصحراء الكبرى يمثل "مشكلة متعددة الجنسيات".
تنظيمات الساحل
يتألف تحالف دول الساحل في غرب إفريقيا من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي دول يقودها عسكريون تولوا السلطة خلال السنوات الأخيرة، وقلصوا إلى حد كبير علاقاتهم مع الغرب، واتجهوا إلى روسيا للحصول على دعم أمني.
وتشهد مالي، التي يبلغ عدد سكانها نحو 25 مليون نسمة، تصاعدًا في أعمال العنف التي تنفذها الجماعات المتشددة، مع اتساع نطاق نفوذها بصورة متزايدة.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، فرض مسلحون تابعون لتنظيم القاعدة، العام الماضي، حصارًا على إمدادات الوقود، ما أدى إلى شلل في معظم أنحاء البلاد. كما شنوا، خلال ربيع العام الجاري، هجمات منسقة شملت انتشار مسلحين في شوارع العاصمة باماكو، والسيطرة على مدينة استراتيجية شمال البلاد كانت تحت سيطرة الجيش المالي والقوات الروسية التابعة لمجموعة "فاجنر"، إضافة إلى اغتيال وزير الدفاع في هجوم انتحاري.
وفي الوقت نفسه، عزز تنظيم "داعش الساحل"، المنافس لـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، نفوذه قرب الحدود بين مالي والنيجر، حيث اختطف مسلحوه، العام الماضي، المبشر الأمريكي كيفن رايدآوت، الذي يُعتقد أنه لا يزال محتجزًا داخل مالي.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في إطار مساعي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة التواصل مع مالي، كثفت الولايات المتحدة، العام الماضي، تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة المالية، وفقًا لمسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين.
وأضافت أن هذه المعلومات استُخدمت في ضربات عسكرية نفذها الجيش المالي، إلا أن مستوى التعاون ظل محدودًا، ولا يقترب من حجم الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة ونيجيريا، التي شهدت تصعيدًا العام الماضي، وشملت غارات جوية أمريكية وعملية برية أسفرت عن مقتل أحد كبار قادة تنظيم "داعش" في إفريقيا.
تورط خطر
ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن أي تدخل عسكري أمريكي مباشر في مالي ينطوي على مخاطر اندلاع مواجهات مع القوات الروسية الموجودة في المنطقة، أو قد يتطلب تنسيقًا بين واشنطن وموسكو، على غرار آلية التنسيق التي كانت قائمة في سوريا خلال السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد.
وأضافت الصحيفة أن اللجوء إلى الخيار العسكري قد لا يكون كافيًا لحل الأزمة، مشيرة إلى أن فرنسا خاضت عمليات عسكرية في منطقة الساحل لمدة عشر سنوات، بينما تنخرط روسيا في المشهد الأمني منذ خمس سنوات، دون أن يؤدي ذلك إلى تحسن الأوضاع، بل شهدت المنطقة مزيدًا من التدهور.
وأوضحت أن فرنسا بدأت تدخلها العسكري في منطقة الساحل عام 2013، بناءً على طلب الحكومة المالية آنذاك، وتمكنت في البداية من احتواء التمرد وإعادة قدر من الاستقرار.
وأشارت إلى أن العملية العسكرية اللاحقة نجحت في القضاء على عدد من قادة الجماعات المسلحة، لكنها فشلت في نهاية المطاف في وقف انتشار تلك الجماعات داخل المنطقة.
ورأت الصحيفة أن تصاعد الغضب الشعبي تجاه فرنسا، والذي غذّته، بحسب وصفها، أخطاء مرتبطة بالإرث الاستعماري وسياساتها على مدار السنوات، أسهم في الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي عامي 2020 و2021، ثم امتدت إلى بوركينا فاسو والنيجر.
وأضافت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرر لاحقًا سحب القوات الفرنسية من المنطقة، منهياً الوجود العسكري الفرنسي الذي استمر سنوات في الساحل الإفريقي.