لم يمر أسبوعان على انهيار وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حتى كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، عبر تحليل بصري شامل، أن إيران نفّذت ضربات موجعة طالت تسعة مواقع عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، مخلّفة دمارًا موثقًا في مرافق الإقامة ومأوى الطائرات المسيّرة وأنظمة الرادار، في صفعة مدوية لادعاءات إدارة ترامب بأن القدرات العسكرية الإيرانية باتت منهكة أو مدمرة.
3 جنود يسقطون وعشرات الجرحى
أشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن كانت الأكثر دموية بين المواقع التسعة المستهدفة، إذ راح ضحيتها ثلاثة جنود أمريكيين وكانوا جميعًا منتسبين لوحدات الدفاع الصاروخي في القاعدة.
وأفاد مسؤول عسكري لـ"نيويورك تايمز" بأن نحو اثني عشر جنديًا آخرين أُصيبوا بجروح بالغة جراء هجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في الأردن ودول مجاورة، ما استدعى إخلاءهم جوًا إلى المستشفى العسكري الأمريكي في ألمانيا.
وتكشف صور الأقمار الصناعية أن القاعدة تعرّضت لضربة أولى أتلفت إحدى حظائر المطار قبل أيام من الهجوم المميت، ثم جاءت موجة ثانية ليلة الجمعة أوقعت القتلى، وثّقتها مقاطع مصورة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر انفجارًا يضرب مباني تبدو وحدات إسكان جاهزة، فيما يتراجع مصورها نحو ملجأ وسط وابل من الحطام.
وبحسب الصور الإيرانية التي وزعتها طهران لاحقًا، فقد طال الدمار الكلي أو الجزئي ما لا يقل عن عشرين منشأة، من بينها حظيرتا طائرات وثلاثة ملاجئ للمسيّرات.
شبكة استهداف تمتد عبر الحدود
لم تقتصر الضربات الإيرانية على الأردن، بل امتدت لتطال مواقع استراتيجية في عدة دول، إذ استهدفت طهران برج 22، المركز الأمني الأمريكي على الحدود الأردنية الشمالية مع سوريا، وهو الموقع ذاته الذي شهد عام 2024 هجومًا بطائرة مسيّرة نفذته ميليشيا موالية لإيران وأودى بحياة ثلاثة جنود أمريكيين.
ورصدت صور الأقمار الأوروبية منخفضة الدقة الدمار فور وقوعه، قبل أن تنشر وسائل الإعلام الإيرانية صورًا عالية الدقة تكشف أن أحد مبانيه سُوي بالأرض.
وعلى الجبهة الكويتية، أكدت "نيويورك تايمز" تدمير منظومة رادار في قاعدة أحمد الجابر الجوية نحو العشرين من يوليو الجاري، أي بعد ستة أشهر فقط من اكتمال بنائها، فيما كشفت صور قاعدة علي السالم الكويتية عن أضرار أقل حدة.
أما في البحرين، فقد سبق لإيران أن استهدفت المنشآت البحرية الأمريكية بهجمات مسيّرة أتلفت مستودعات وأنظمة اتصالات في الربيع الماضي، ثم عادت لتضرب أحد المستودعات مجددًا قبل أسبوعين.
وفي العراق، دمرت الضربات خيمة عسكرية ضخمة في موقع أمريكي داخل مطار أربيل الدولي.
عتمة أمريكية ودعاية إيرانية
وسط هذا الدمار الموثق، تبرز معضلة معلوماتية لافتة، طلبت الحكومة الأمريكية من كبرى شركات الأقمار الصناعية المدنية حجب صور المنطقة، في ممارسة متبعة سابقة لإدارة ترامب بحجة حماية القوات.
غير أن مواقع القواعد معلومة للعموم، إذ تزعم الصحيفة أن طهران استغلت هذا الفراغ البصري ووزعت صورًا فضائية بوصفها جزءًا من حملتها الدعائية.
واعتمدت "نيويورك تايمز" في تحليلها على تلك الصور الإيرانية بعد مطابقتها مع مقاطع مصورة التُقطت من داخل المواقع المستهدفة وصور ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية.
وفي المقابل، اكتفى المتحدث باسم البنتاجون بالقول إن الوزارة "ترفض التعليق على صور الأقمار الصناعية لدواعٍ أمنية عملياتية"، مضيفًا أن التحقيق في حادثة الأردن "لا يزال جاريًا".
ادعاءات أمريكية تتهاوى
تكشف الصورة الإجمالية لهذه الضربات أن إيران تتبع منهجية واضحة في استهداف البنية التحتية العسكرية الأمريكية، تبدأ بالرادار وأنظمة الدفاع الجوي والحظائر، ثم لا تتوانى عن ضرب مرافق الإقامة والعناصر البشرية.
كانت أربعة من المواقع التسعة، بينها موفق السلطي، قد استُهدفت في وقت سابق من الحرب حين ضربت إيران ثمانية عشر موقعًا عسكريًا أمريكيًا في سبع دول.
وتختتم الصحيفة بالإشارة إلى أنه بينما كان وزير الدفاع بيت هيجسيث يؤكد أمام الكونجرس في أبريل الماضي اتخاذ "كل تدبير ممكن" لحماية الجنود، تواصل صور الأقمار الصناعية سرد رواية مغايرة تمامًا.