الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بعد سنوات من حرب المسيرات.. أوكرانيا تبيع خبرتها "المغموسة بالدم" لحلفائها

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرد ساحة مواجهة مع روسيا، بل تحولت إلى مختبر مفتوح لتطوير أساليب القتال الحديثة، وعلى رأسها حرب الطائرات المسيّرة. وبعد أكثر من أربع سنوات من المواجهات، باتت كييف تمتلك خبرة واسعة في التصدي لهذا السلاح الذي غيّر قواعد المعارك، وتسعى اليوم إلى تحويل هذه الخبرة إلى مصدر نفوذ سياسي واقتصادي عبر تصدير التكنولوجيا والمعرفة العسكرية إلى حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على المسيّرات في الصراعات حول العالم.

خبرة الحرب

منذ بدء الحرب الروسية واسعة النطاق، أصبحت الطائرات المسيّرة الروسية من أكثر الأسلحة فتكًا في أوكرانيا، إذ تسببت في مقتل آلاف العسكريين والمدنيين. لكن مع كل تطوير أدخلته موسكو على هذه الطائرات، سواء عبر تقنيات التحكم بمنظور الشخص الأول أو المحركات النفاثة أو الكابلات الضوئية، نجحت أوكرانيا في تطوير وسائل مضادة لمواجهتها، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

واليوم، ومع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط ضد إسرائيل ودول الخليج والقوات الأمريكية، تسعى كييف إلى نقل خبرتها إلى شركائها، عبر بيع المعدات، وتقديم الاستشارات، وإنشاء خطوط إنتاج مشتركة، بما يحقق لها مكاسب مالية وسياسية.

و ستانيسلاف هريشين، المسؤول الاستراتيجي في شركة General Cherry المتخصصة في تصنيع طائرات الاعتراض المسيّرة: "أوكرانيا دفعت ثمن هذه الخبرة بالدم".

وأضاف المتحدث باسم الشركة ماركو كوشنير أن التكتيكات المستخدمة حاليًا في الشرق الأوسط ليست جديدة بالنسبة للأوكرانيين، موضحًا: "ما نراه هناك هو أساليب استخدمت في أوكرانيا قبل عام أو عامين، أما أحدث التطورات في مجال المسيّرات الاعتراضية فتأتي من أوكرانيا، وليس العكس".

شراكات دولية

ويقود الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حملة دبلوماسية للترويج للتكنولوجيا الأوكرانية، حيث وقّعت كييف منذ فبراير الماضي تسع اتفاقيات للتعاون في مجال الطائرات المسيّرة، من بينها اتفاقيات أمنية تمتد لعشر سنوات مع قطر والسعودية والإمارات، إضافة إلى اتفاقيات مع ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا.

وأكد رئيس الوزراء اللاتفي أندريس كولبيرجس أن بلاده ستستفيد من الخبرة الأوكرانية في الدفاع الجوي ضد الطائرات المسيّرة، مشيرًا إلى أن الاتفاق يمنح لاتفيا وصولًا مباشرًا إلى التكنولوجيا الأوكرانية، إضافة إلى إرسال خبراء أوكرانيين لتدريب الوحدات المختصة.

كما أعلن الجانبان عزمهما إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة قرب الحدود الروسية قبل نهاية العام.

وفي خطوة أخرى، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال زيارة إلى كييف، توقيع اتفاق جديد يشمل شركات ودولًا من مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال المسيرات.

وتأمل أوكرانيا، مقابل هذه الشراكات، في الحصول على مزيد من الدعم العسكري والاقتصادي، خاصة صواريخ باتريوت الأمريكية التي تعاني نقصًا بسبب استخدامها في عدة جبهات.

ورغم أن كييف لا تزال تفرض قيودًا على تصدير الطائرات المسيّرة لتلبية احتياجات جيشها، فإن السلطات بدأت تخفف هذه القيود تدريجيًا.

وأكد زيلينسكي أن عائدات التصدير يجب أن تُستخدم لتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية.

دفاع متعدد الطبقات

تعتمد أوكرانيا في التصدي للطائرات المسيّرة على منظومة دفاع متكاملة تشمل أنظمة الإنذار المبكر، والرادارات، والحرب الإلكترونية، ووحدات النيران المتحركة، والمروحيات، والطائرات المقاتلة، إضافة إلى المسيّرات الاعتراضية.

ويقول خبراء عسكريون إن مواجهة الهجمات تعتمد على عدة عوامل، من بينها نوع الطائرة المسيّرة، ومسارها، وما إذا كانت تستهدف مناطق مفتوحة أو مدنا مأهولة.

وتؤكد ديبورا فيرلامب، وهي مستثمرة أمريكية في قطاع التكنولوجيا العسكرية بأوكرانيا، أن النجاح لا يعتمد على سلاح واحد، قائلة: "لا توجد رصاصة سحرية، فالتكنولوجيا جزء من منظومة دفاعية متكاملة، وليست الحل الوحيد".

ويشارك أكثر من 100 شركة أوكرانية حاليًا في إنتاج المسيّرات الاعتراضية، فيما يؤكد أندري هريتسينيوك، المدير التنفيذي لمنصة Brave1 الحكومية، أن بلاده تمتلك ما بين 15 و20 نموذجًا فعالًا يجري استخدامها ميدانيا، مع استمرار تطويرها بالتوازي مع تطور التكتيكات الروسية.

جيل جديد

ومن أبرز التقنيات التي تطورها أوكرانيا نظام "خيجاك"، الذي تنتجه شركة UFORCE، ويعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتتبعها تلقائيًا باستخدام كاميرات حرارية وبصرية عالية الدقة وأجهزة ليزر.

ويستطيع النظام، عند تزويده بسلاح أوتوماتيكي، استهداف الطائرات المسيّرة والأهداف الأخرى حتى مسافة تصل إلى نحو 640 مترًا، كما يعمل مطوروه على تحويله مستقبلًا إلى نظام مستقل بالكامل قادر على اعتراض طائرات FPV المتصلة بكابلات ألياف ضوئية، وهي من أكثر الأسلحة التي تتسبب في خسائر على جانبي الحرب.

ويشير رئيس مجلس إدارة UFORCE أوليكسي هونتشاروك إلى أن هذه الطائرات تمثل التحدي الأكبر حاليًا، لأنها لا تعتمد على موجات الراديو، وبالتالي لا تتأثر بأنظمة الحرب الإلكترونية، وهو ما يجعل وسائل التصدي لها محدودة حتى الآن.

ويتوقع هونتشاروك أن تعتمد روسيا مستقبلًا على الذكاء الاصطناعي في تشغيل هذا النوع من المسيّرات، الأمر الذي يدفع أوكرانيا إلى تطوير أنظمة دفاعية قادرة على مواكبة هذا التطور.

وترى كييف أن أهم ما يمكن أن تقدمه لحلفائها لا يقتصر على المعدات، بل يشمل أيضًا الخبرة العملية في خوض حروب القرن الحادي والعشرين.

ويقول هريتسينيوك إن الدول بحاجة إلى بناء شركات صغيرة وسريعة التطور قادرة على ابتكار حلول عسكرية خلال أسابيع، وليس سنوات، لأن سرعة التطور أصبحت عاملًا حاسمًا في الحروب الحديثة.

وأضاف: "الفجوة المعرفية كبيرة، وأوكرانيا هي الدولة الوحيدة بين حلفائها التي تمتلك خبرة حقيقية فيما تتطلبه الحروب الحديثة، ونحن مستعدون لمشاركة هذه الخبرة".