دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة مع تركيز الضربات الأمريكية على البنية التحتية للنقل في جنوب إيران، بعدما استهدفت جسورًا وخطوط سكك حديدية تربط مدينة بندر عباس، أكبر الموانئ التجارية الإيرانية، ببقية أنحاء البلاد، في خطوة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى زيادة الضغط على طهران وإضعاف قدرتها على الحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز.
ووفقًا لتقارير محلية، تعرضت عدة جسور على الطرق المؤدية إلى بندر عباس لقصف خلال الأيام الماضية، ما أدى إلى انقطاع أو تعطل حركة المرور على المحاور الرئيسية المؤدية إلى المدينة، فيما أُصيب خط السكك الحديدية بأضرار أجبرت السلطات على وقف حركة القطارات واستبدالها بحافلات بين المدن.
وتعد بندر عباس، الواقعة على الساحل الجنوبي لإيران، من أهم المراكز اللوجستية في البلاد، إذ يقطنها نحو نصف مليون نسمة، وتضم ميناء "الشهيد رجائي" الذي يستقبل قرابة نصف التجارة الإيرانية، بما يشمل المعدات الصناعية ومواد البناء والسلع الاستهلاكية والمنتجات الزراعية، إضافة إلى صادرات الصلب والأسمدة والمنتجات النفطية، وفقًا لصحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.
هدف يتجاوز الاقتصاد
لا تقتصر أهمية المدينة على دورها الاقتصادي، بل تحتضن أيضًا القاعدة البحرية الرئيسية لإيران، التي تمثل ركيزة أساسية في عملياتها العسكرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
ويرى مسؤولون وخبراء أمريكيون أن "عزل بندر عباس قد يكون وسيلة فعالة لإجبار إيران على التراجع عن تهديداتها المتعلقة بالمضيق".
وقال المسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية مايكل روبين، إن "هناك قناعة متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن السيطرة على الوضع في بندر عباس تمثل مفتاح إعادة فتح الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز".
وأضاف أن "استهداف الجسور والطرق المؤدية إلى المدينة قد يكون أكثر تأثيرًا من توسيع نطاق الضربات إلى أهداف أخرى"، معتبرًا أن إيران تعتمد على عدد محدود من الموانئ الرئيسية، ما يجعل عزلها أمرًا ممكنًا من الناحية العسكرية.
تداعيات إنسانية
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطًا كبيرة نتيجة العقوبات الدولية والحرب، مع استمرار معدلات التضخم المرتفعة وتراجع قيمة العملة المحلية في إيران.
ومن شأن تعطيل الطرق وخطوط السكك الحديدية المؤدية إلى بندر عباس أن يعرقل حركة البضائع والمواد الأساسية، في ظل اعتماد إيران على الميناء في نقل نسبة كبيرة من وارداتها وصادراتها، إضافة إلى نحو 85% من حركة الحاويات و70% من تجارة العبور.
كما أعلنت شركة "توانير" الإيرانية للكهرباء تعرض أجزاء من شبكة الكهرباء في الجنوب لأضرار، مؤكدة أن فرق الصيانة تعمل على مدار الساعة لإعادة الخدمة، بينما دعت السلطات السكان إلى تجنب استخدام الطرق المتضررة وتركها مفتوحة أمام فرق الإنقاذ والطوارئ.
استهداف غير شرعي
أثار استهداف الجسور المستخدمة في حركة النقل المدني نقاشًا قانونيًا بشأن مدى توافق هذه العمليات مع القانون الدولي الإنساني.
ففي حين تنص اتفاقيات جنيف لعام 1949 على ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والبنية التحتية المدنية، يرى بعض الخبراء القانونيين أن الجسور قد تُعد أهدافًا عسكرية مشروعة إذا كانت تُستخدم في نقل القوات أو المعدات العسكرية، وليس للأغراض المدنية فقط.
وقال مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في قوات مشاة البحرية الأمريكية والباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، إن "الضربات تمثل تصعيدًا يهدف إلى نقل آثار الحرب إلى الداخل الإيراني من خلال الضغط على البنية التحتية، لكنه استبعد أن تؤدي بمفردها إلى انهيار اقتصادي أو اجتماعي شامل".
في المقابل، حذر محللون من أن استمرار استهداف البنية التحتية قد يفاقم معاناة المدنيين ويؤثر بصورة مباشرة في حركة الإمدادات والخدمات الأساسية، حتى وإن لم يكن الهدف المعلن إيقاع خسائر بشرية واسعة.
وشكك "كانسيان" في مدى أهمية هذه الإستراتيجية، قائلًا: "لقد أظهرت القيادة استعدادها لتحمل تضحيات جسيمة، واستعدادها لفرض ذلك على السكان".