بدأت أوكرانيا تنفيذ مرحلة جديدة من عملياتها العسكرية الهادفة إلى عزل شبه جزيرة القرم عن العمق الروسي، عبر استهداف خطوط الإمداد البرية والبحرية والجوية، في مسعى لإضعاف قدرة موسكو على دعم قواتها في جنوب البلاد.
ومنح التطور السريع في تقنيات الطائرات المسيّرة كييف قدرة غير مسبوقة على ضرب أهداف بعيدة ومتوسطة المدى، في وقت تواجه فيه القرم انقطاعات واسعة للكهرباء ونقصًا في الوقود والمياه، وسط تراجع النشاط الاقتصادي والسياحي، بحسب صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.
وأوضحت كييف أن إستراتيجيتها الجديدة تستهدف تحويل القرم إلى عبء عسكري واقتصادي على روسيا، بعد أن مثلت أحد أبرز المكاسب السياسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ ضمها عام 2014، إذ تسعى أوكرانيا إلى تعطيل استخدام شبه الجزيرة كقاعدة عسكرية رئيسية في البحر الأسود، مع زيادة الضغط على القوات الروسية المنتشرة في الجنوب، بحسب "ذا تليجراف" البريطانية.
حملة العزل
استهدفت القوات الأوكرانية في المرحلة الأولى الممرات البرية وخطوط السكك الحديدية التي تربط القرم بالأراضي الروسية، قبل أن توسع عملياتها لتشمل منشآت الطاقة والمصافي ومحطات الكهرباء ومنظومات الدفاع الجوي، إضافة إلى استهداف ناقلات نفط مرتبطة بما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي في بحر آزوف، إذ أعلنت كييف تعرض 76 سفينة لهجمات في أثناء محاولتها نقل الوقود.
في الوقت نفسه، قال وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف، إن الطائرات المسيّرة تعمل على عزل القرم تدريجيًا، معتبرًا أن "الجحيم الحقيقي بالنسبة للروس بدأ للتو"، بينما تسببت الهجمات في طوابير امتدت عدة كيلومترات عند نقاط العبور مع مغادرة أعداد كبيرة من السكان والسياح، وإعلان حالة الطوارئ في شبه الجزيرة.
أزمة متفاقمة
تسببت الضربات الأوكرانية في انقطاعات متكررة للكهرباء استمرت أيامًا، مع نقص حاد في المياه وصل في بعض المناطق إلى توفير الإمدادات لمدة ساعة واحدة يوميًا فقط، بعد إعلان كييف استهداف نحو 50 منشأة للطاقة بين الأول والثامن من يوليو.
إضافة إلى ذلك، ألغيت نحو 79% من حجوزات الفنادق خلال الموسم السياحي الحالي، بعدما كانت القرم تستقبل نحو سبعة ملايين سائح روسي العام الماضي، بينما أظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض منشأة تحميل النفط في ميناء كيرتش لأضرار واسعة، فضلًا عن استهداف جسور رئيسية مثل جسر تشونهار ومعبر هينيتشيسك والطريق السريع "نوفوروسيا"، الذي يربط منطقة روستوف الروسية بالقرم.
وسرعان ما دفعت أزمة الوقود السلطات الروسية إلى تعليق بيع الوقود للأفراد، بينما امتد تأثير النقص إلى 78 منطقة روسية من أصل 83، وفق تقديرات "معهد دراسة الحرب"، كما شهدت محطات الوقود طوابير طويلة استدعت تدخل الشرطة والحرس الوطني لتنظيمها، في حين ظهرت سوق موازية لبيع الوقود عبر تطبيق "تليجرام" ومنصات التجارة الإلكترونية بأسعار وصلت 25 دولارًا للجالون.
تفوق مسيّرات
أكد محللون أوكرانيون أن استهداف القرم يهدف إلى تقليص قدرة روسيا على استخدامها منصة لإطلاق الصواريخ وفرض السيطرة في البحر الأسود، مشيرين إلى أن الهجمات أسهمت في إبطاء العمليات الروسية على الجبهات الجنوبية والشرقية.
وأوضح المحلل في المركز الأوكراني للأمن والتعاون أنطون زيملياني، أن العمليات أثرت في القدرة الروسية على إيصال الذخائر إلى الجبهة، لافتًا إلى أن نسبة التفوق الروسي في كثافة نيران المدفعية تراجعت من 2.4 إلى واحد قبل ستة أشهر إلى 1.6 مقابل واحد حاليًا، نتيجة استهداف المستودعات وصعوبات الإمداد.
في الأثناء، اعتبرت كييف أن نجاح هذه العمليات يعود إلى إدخال جيل جديد من الطائرات المسيّرة متوسطة المدى، التي جرى تصنيعها بكميات كبيرة باستخدام مواد منخفضة التكلفة مثل الخشب والبوليسترين وأجزاء مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، مع تزويدها بمحطات اتصال "ستارلينك" وأنظمة ملاحة أكثر تطورًا.
سباق تقني
اعتمدت أوكرانيا بصورة متزايدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في توجيه الطائرات المسيّرة، خلال المرحلة النهائية من الهجوم، بما يسمح لها بإصابة الأهداف بصورة مستقلة دون الحاجة إلى إشارات لاسلكية، ما يقلل من فعالية أنظمة التشويش الإلكتروني الروسية.
وأشار مسؤولون في شركة "نوردا دايناميكس" الأوكرانية، التي تطور أنظمة الملاحة والاستهداف للطائرات المسيّرة، إلى أن الشركة زودت الجبهة بنحو 70 ألف وحدة منذ عام 2024، بالتعاون مع نحو 200 وحدة عسكرية، بينما تستخدم القوات الأوكرانية أيضًا أنظمة مثل "هورنت" الأمريكية و"دارتس" و"بولافا" و"رام-2 إكس" المحلية.
إلى جانب ذلك، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إن "المعركة في السماء" ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب، موضحًا أن حرمان روسيا من السيطرة الجوية والبحرية سيغير ميزان القوى، بينما حذّر مسؤولون في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكراني من أن هذا التفوق قد يكون مؤقتًا، إذ يتوقعون أن تطور روسيا خلال الأشهر المقبلة وسائل جديدة لاعتراض هذا النوع من الطائرات المسيّرة، في ظل استمرار ما وصفوه بـ"سباق السيف والدرع" بين الجانبين.