بدأت زعيمة حزب "التجمع الوطني" الفرنسي مارين لوبان مرحلة جديدة من استعداداتها للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، بعدما أنهت محكمة فرنسية جانبًا مهمًا من القضية القضائية التي هددت مستقبلها السياسي.
وخُفف المحكمة قرار منعها من الترشح من خمس سنوات إلى 15 شهرًا تبدأ من مارس 2025، ما يسمح لها قانونيًا بخوض السباق الرئاسي، مع إعلانها الطعن أمام محكمة النقض لتجنب تنفيذ عقوبة الإقامة الجبرية باستخدام السوار الإلكتروني، خلال الحملة الانتخابية، مؤكدة أن "الفرنسيين هم من سيحكمون"، ومعلنة عزمها العمل بجانب رئيس الحزب جوردان بارديلا، الذي اختارته ليكون رئيسًا للوزراء حال فوزها.
وأكدت لوبان أنها ستواصل معركتها القانونية والسياسية في آن واحد، بينما تركز الأنظار على مستقبل العلاقة بينها وبين بارديلا، وعلى قدرة الحزب اليميني على الحفاظ على زخمه الانتخابي، في ظل استمرار الجدل بشأن برنامجه الاقتصادي ومواقفه من الاتحاد الأوروبي والهجرة، بحسب موقع "بوليتيكو" الأمريكي.
المسار القانوني
واجهت لوبان تحديًا قانونيًا يتمثل في تجنب خوض حملتها الانتخابية وهي خاضعة لإجراءات الإقامة الجبرية، إذ إن الطعن أمام محكمة النقض يؤدي من حيث المبدأ إلى تعليق تنفيذ العقوبة، ما يمنحها فرصة تنفيذ وعدها بعدم خوض الانتخابات وهي ترتدي السوار الإلكتروني.
في الوقت نفسه، أوضح رئيس محكمة النقض أن القضاء سيحاول إصدار حكم نهائي قبل موعد الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن خسارة لوبان للطعن قد تفرض عليها تنفيذ العقوبة، خلال المرحلة الأخيرة من الحملة.
وأشارت المحامية الجنائية إيفا باروك إلى أن القضاة قد يمنحونها ساعات واسعة للخروج من المنزل لأغراض الحملة، لكن مع إلزامها بالبقاء في المنزل، خلال ساعات الليل.
الحظوظ الانتخابية
أظهرت استطلاعات الرأي استمرار تمتع لوبان بموقع قوي في السباق الرئاسي، إذ منحها استطلاع أجراه معهد "إيفوب" الفرنسي، خلال يونيو الماضي، 32% من نوايا التصويت في الجولة الأولى، لتتصدر المرشحين.
إضافة إلى ذلك، سجل بارديلا، البالغ من العمر 30 عامًا، نتائج أعلى قليلًا بلغت 36%، ما عزز التساؤلات بشأن مستقبل قيادة الحزب، رغم تأكيد مسؤول بارز في "التجمع الوطني" أن لوبان تتمتع بشهرة واسعة، لكنها لا تزال بحاجة إلى طمأنة الناخبين بشأن بعض الملفات.
ورغم خبرتها الممتدة لأربعة عقود وخوضها ثلاث انتخابات رئاسية، لا يزال اسم لوبان يثير تحفظات لدى قطاعات من الناخبين، خصوصًا كبار السن الذين لم ينسوا التصريحات المثيرة للجدل التي ارتبطت بوالدها جان ماري لوبان، كما أن مواقفها السابقة بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الانتقادات الموجهة لسياستها الاقتصادية، حدّت تاريخيًا من قدرتها على استقطاب ناخبي يمين الوسط، الفئة التي يسعى بارديلا إلى اجتذابها.
دور بارديلا
أثار تفوق بارديلا في بعض استطلاعات الرأي تكهنات حول احتمال سعيه لإزاحة لوبان عن قيادة الحزب أو الترشح بدلًا منها، إلا أن هذا السيناريو يبدو مستبعدًا وفق تقديرات مراقبين داخل الحزب.
في الأثناء، يرى مقربون من لوبان أن بارديلا حافظ على ولائه لها رغم وجود اختلافات في بعض الملفات، مثل إصلاح نظام التقاعد، كما أن موازين القوى داخل الحزب لا تزال تميل لصالح لوبان، التي يحتفظ أنصارها بالمواقع الرئيسية داخل الهيكل التنظيمي وكتلة الحزب في الجمعية الوطنية، التي تضم 122 نائبًا من اليمين.
تبنت لوبان موقفًا متشددًا تجاه الاتحاد الأوروبي، ورغم تخليها عن مطلب الخروج من منطقة اليورو، فإنها لا تزال تتبنى نهجًا متشككًا تجاه مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وتؤيد تقليص مساهمة فرنسا في موازنته، كما تعارض سياسات الاتحاد المتعلقة بالهجرة.
الملفات الخلافية
إلى جانب ذلك، تعهدت بأنه حال انتخابها رئيسة ستسعى إلى تعديل الدستور الفرنسي لإعطاء الأولوية للقانون الفرنسي على القانون الأوروبي، بما يسمح بتشديد سياسات الهجرة، خطوة قد تفتح مواجهة مع المجلس الدستوري الفرنسي ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وساندت لوبان نهجًا اقتصاديًا يقوم على تدخل الدولة لحماية الصناعات الوطنية، مع معارضة اتفاقيات التجارة الحرة مثل اتفاق "ميركوسور"، كما دعت إلى تعزيز نظام الرعاية الاجتماعية مع قصر بعض المزايا على المواطنين الفرنسيين، وإلغاء إصلاح نظام التقاعد الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون وخفض سن التقاعد القانوني إلى 62 عامًا بدلًا من 64.
وسرعان ما تحولت هذه السياسات إلى أحد أبرز مصادر التشكيك في الأوساط الاقتصادية، التي تعتبر برنامج الحزب غير واقعي من الناحية المالية، ما دفع بارديلا مؤخرًا إلى إبداء مرونة أكبر تجاه إصلاحات التقاعد، بينما أبدت لوبان استعدادًا محدودًا لإدخال تعديلات على خطتها، في انتظار إعلان البرنامج الانتخابي للحزب، خلال الخريف المقبل، مع احتفاظها بالكلمة الأخيرة في تحديد القضايا التي ستشكل محور حملتها الرئاسية.